فهو يربط بين الأصوات الإنسانية، وبين أصداء الطبيعة حيناً، وأصوات الكائنات الحيوانية حيناً آخر، مما هو من ظوهر الموجودات في الكون، وبين تكوين اللغات التي نشأت من هذه الأصوات في بداياتها الأولى.
«وقد ذهب إلى هذا الرأي معظم المحدثين من علماء اللغة وعلى رأسهم العلامة وتني Whitney» .
وهذا ما يوقفنا على رأي الأوروبيين، وتعليلهم الصوتي في أصل نشوء اللغات؛ وأهمها في نظرنا ما يوافق ابن جني المنقول آنفاً، والقائل بامتداد الصوت عند الأنسان عن الصوت الطبيعي للأشياء، او الصوت الحيواني غير العاقل، وأن جملة اللغات الإنسانية قد انحدرت من تلك الأصوات.
وهذا لا يمانع أن يكون الله سبحانه وتعالى هو ملهم الأصوات، ومنشئ اللغات، ومعلم الكائنات، فهذا هو الاعتقاد الصحيح الذي لا تشوبه شائبة، فالكلام عن هذا شيء والبحث عن أصل اللغات في انطلاق الأصوات شيء آخر.
على أن هناك رأياً آخر يذهب إلى أن أستعمال الإنسان لجهازه الصوتي كان عن طريق التأوهات والشهقات التي صدرت عنه بصورة لا إرادية، وذلك حينما عبر عن آلامه حيناً، وآماله حيناً آخر.
4 ـ محاكاة الأصوات:
وقد ذهب ابن جني مذهباً صوتياً فريداً يربط بين الصوت والفعل تارة، وبين الصوت والاسم تارة أخرى، ويبحث علاقة كل منهما بالأخر علاقة حسية ومادية متجسدة، فجرس الألفاظ ووقعها فيما يحدثه من أصوات وأصداء سمعية قد يكون متجانساً ومقارباً لنوعية عنده فيقول:
«فإن كثيرا من هذه اللغة وجدته مضاهياً بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها، ألا تراهم قالوا: قضم في اليابس، وخضم في الرطب. وذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف» .