وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي يَعْلَمُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دُونَكُمْ، فَلَا تَعْلَمُونَهُ وَيَعْلَمُ مَا هُوَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ: الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّوحِ وَجَمِيعِ النَّاسِ غَيْرِهِمْ، وَلَكِنْ لَمَّا ضَمَّ غَيْرَ الْمُخَاطَبِ إِلَى الْمُخَاطَبِ، خَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ كَذَلِكَ تَفْعَلُ إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْكَلَامِ مُخْبَرٌ عَنْهُ غَائِبٌ وَمُخَاطَبٌ أَخْرَجُوا الْكَلَامَ خِطَابًا لِلْجَمْعِ.
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ أَحْبَارُ يَهُودَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّكَ تَقُولُ {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} أَفَعَنَيْتَنَا أَمْ قَوْمَكَ؟ قَالَ: «كُلًّا قَدْ عَنَيْتُ» قَالُوا: فَإِنَّكَ تَتْلُو أَنَّا أُوتِينَا التَّوْرَاةَ وَفِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وَقَدْ آتَاكُمْ مَا إِنْ عَمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} . . إِلَى قَوْلِهِ {إِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ بَصِيرٌ} .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّوحِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ الْكَلَامُ خِطَابًا لِمَنْ خُوطِبَ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ، لِأَنَّ عِلْمَ كُلِّ أَحَدٍ سِوَى اللَّهِ، وَإِنْ كَثُرَ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا أُوتِيتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ.