وقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ) ، أي أنهم يقرءون كتابهم مستمتعين بهذه القراءة مدركين جزاءهم متوقعين له، (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ، أي مقدار فتيل، وهو ما يكون بين جزأي النواة وهو ضئيل، كما قال تعالى: (. . . وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) ، وكما قال تعالى: (. . . فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) .
وقد ذكر سبحانه أن أهل اليمين يقرءون كتابهم ولم يذكر أهل الشمال أنهم يقرءون كتابهم، لأنهم لَا يقرءونه استخزاء من أفعالهم وهو كتاب لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وإن هذه حال أهل اليمين، أما حال أهل الشمال فقد أشار سبحانه وتعالى إليها بقوله تعالى:
(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا(72)
العمى هنا هو عدم إدراك النعمة أو عدم شكرها والكفر بها، ففي الكلام استعارة حيث شبه عمى القلب بعمى البصر بجامع عدمِ الإدراك في كُلٍّ، فمن عمى في الدنيا لَا يدرك النعم أو يدركها ولا يشكرها (فَهُو فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) ، أي فهو في الآخرة أكثر عمىً وأضل سبيلا، أي أبعد عن إدراك الطريق المستقيم؛ لأنه في الآخرة قد انتهى وقت العمل وفيها الجزاء، أو لأن عمى الدنيا
قد يعوض بجارحة أخرى كالسمع واللمس، أما عمى الآخرة فلا يوجد فيه معوض عن البصر، ولأن عمى الدنيا قد تدركه التوبة ففي الزمان متسع لها، أما الآخرة فالعمى فيها لَا يستدرك بتوبة، إنما زمن الاستدراك في الحياة الدنيا، وإن التعبير بالعمى في الدنيا مجازي كما أشرنا وفي الآخرة هو مجازي أيضا، وقيل:
إن كلمة (أَعْمَى) الثانية هي أفعل تفضيل ويجوز ذلك في عمى القلب، ولعل ذلك أخذوه من العطف عليها بـ أضل وهي أفعل تفضيل.