ولقد روي أنه جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسألوه عن هذه الآية، فقال اقرأ ما قبلها (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ) إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) قال ابن عباس: من كان في هذه النعم والآيات التي رأى أعمى، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.
محمد يحاول هدايتهم وهم يريدون تحويله
قال اللَّه تعالى:
(وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا(73)
كان محمد - صلى الله عليه وسلم - محبوبا في قومه يألفونه، ويكبرونه ويعدونه فيهم خيرهم أمانة وصدقا وقوة خلق، حتى إذا بعث رسولا، فرق شعور بعضهم بينه وبينهم بسبب الحق الذي جاء به، وما هم عليه من باطل يستمسكون به، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - كان يحب هدايتهم، لأنهم قومه ولأنه داعية الحق يريد أن يؤمن الناس به فهو يحاول أن يستدنيهم ويتمنون بجدع الأنف أن يترك هداية اللَّه إلى ضلالهم، ولذا قال تعالى:
(وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا(73)
الكلام موصول لما قبله بالواو، وإن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، واللام هي اللام الفارقة وهي مؤكدة، يفتنونك معناها يزيلونك عما أنت عليه أو يصرفونك، وقال الراغب الأصفهاني إن معناها يوقعونك في الفتنة، بالنزول على ما يريدون.
وأوضح المعاني أن تكون بمعنى يصرفونك عن الذي أوحينا إليك وهو القرآن الكريم، بأن تنصرف عن أحكامه وعن شريعته وعن المبادئ المقررة فيها التي تسوي
بين الغني والفقير، (لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا) ، أي لتكذب على اللَّه وتدعي أنه نزل عليك غيره، وفي هذه الحال تكون خليلهم وحبيبهم كما كنت، ولذا قال سبحانه: