عن مجاهد رضي الله عنه قال: ليلة الفطر كليلة من ليالي العشر الأواخر، يعني في فضلها.
قال أبو ذر: ثم كان عبد الرحمن بن الأسود يخرج إلينا ليلة الفطر في ملحفة حمراء كأنه عروس فيقوم بنا حتى يصبح.
وقال: صلى بنا عبد الرحمن بن الأسود ليلة الفطر أربعين ركعة، وأوتر بسبع، وهذا حسن لأن في ليلة العيد معاني: أحدها: أنها مجاورة الشهر، فالشهر هو المؤدي إليها.
والثاني: أنها ليلة سرور بإكمال العدد.
والثالث: أنها ليلة الإباحة.
والرابع: أنها ليلة التكبير.
والخامس: أنها ليلة يوم فيه صلاة تخصه.
والسادس: أنها أول وقت الحج.
والسابع: أنها ليلة عيد.
ومعنى العيد اجتماع المسلمين على الإشارة، فبأمر من أمور الدين في الصيام ليس في ظهوره من الصيام كالصلاة والحج، لكنه سر بين الله تعالى وبين العباد.
وتبين شرائع الإسلام كلها على السر والإعلان.
فكان إعلان الصيام إنما يقع بإقامة العيد بعد انفصال الشهر.
وهذا غير المعاني التي سبق ذكرها، فاستوجبت هذه الليلة الفضل من هذه الوجوه، وناسبت ليالي الشهر إذ كانت الإشارة بما أدى في الشهر عن الصوم وإعلانه ليصير في الظهور كسائر الشرائع، إنما يقع عندها.
فإن إتمام الناس فيها سنة للصلاة مجتمعين، كما يفعلون ذلك في ليالي الشهر حسناً إن شاء الله.
(فصل)
فأما الوتر فإنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «الوتر حق فمن شاء فليوتر بسبع ومن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة» .
وبذلك نقول: إن الإتيان بأكثر من واحدة إنما يكون بالموالاة الركعات، وتأخير الجلوس في آخرهن فإن ذلك.
روى سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - وهو أنه كان يرقد، فإذا استيقظ تسوك ثم توضأ ثم صلى ثماني ركعات يجلس في كل ركعتين ويسلم، ثم يوتر بخمس لا يجلس إلا في الخامسة.
فلما ظهر أن صفة الإتيان بالخمس، هذا علمنا أن الإتيان بالسبع والثلاث كالإتيان بالخمس.
وروي عن عطاء رضي الله عنه أنه كان يوتر بثلاث ركعات لا يجلس إلا في آخرهن.
وإن أوتر بتسع أو إحدى عشرة ركعة فصلى ما وصفنا والله أعلم.
وأما إذا صلى ثلاث ركعات، وصلى في منتهاها وتشهد، ثم قام إلى الثالثة فصلاها، سلم من الثانية أو لم يسلم، لم يكن موتراً بها كلها، وإنما يكون موتراً بالثالثة وحدها، ويكون كأنه صلى ركعتين تطوعاً ثم اتبعها أخرى، فأوترهما بها.
وذلك جائز لأن الوتر نافلة.