أي: تشهده الملائكة. إذن: المشهودية لها دَخْل في العبادة ، فإذا كانت مشهودية مَنْ لا تكليف عليه في الصلاة جعلها الله حيثية ، فكيف بمشهودية مَنْ كُلِّف بالصلاة؟
والحق سبحانه وتعالى جعل في صلاة الجماعة استطراقاً للعبودية ، ففي صلاة الجماعة يستوي كل الخَلْق حيث يخلعون وجاهتهم ، ويخلعون أقدارهم على أبواب المسجد ، كما يخلعون أحذيتهم ، فالرئيس بجانب المرؤوس والوزير بجانب الخفير.
لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُوطِّن الإنسان لنفسه مكاناً في المسجد ، يجلس فيه باستمرار ؛ لأن الأصل أنْ يجلس المصلي حيث ينتهي به المجلس ، فيجلس الناس بأولوية الحضور كل حَسْب مكانه ومبادرته للصلاة ، فلا يتخطى الرقاب ، ولا يُفرق بين اثنين.
ونرى بعض المصلين يسارع إلى الصفِّ الأول مثلاً ، ويضع سجادته ليحجزَ بها مكاناً ، ثم ينصرف لحَاجته ، فإذا ما تأخر عن الصلاة أتى ليتخطّى رقاب الناس ليصل إلى مكانه ، فإذا بالناس يضيِقون من هذا التصرُّف ، ويُنحُّون سجادته جانباً ويجلسون مكانها ، إنه تصرُّف لا يليق ببيوت الله التي تُسوِّي بين خَلْق الله جميعاً ، وتحقق استطراق العبودية لله ، فأنت اليوم بجوار فلان ، وغداً بجوار آخر ، الجميع خاضع لله راكع وساجد ، فليس لأحد أن يتعالى على أحد.
ونرى كذلك استطراق العبودية واضحاً في مناسك الحج ، حيث يأتي أحد العظماء والوجهاء فتراه عند الملتزم خاضعاً ذليلاً باكياً متضرعاً ، وهو مَنْ هو في دُنْيا الناس.
إذن: فوقت الفجر وقت مبارك مشهود ، تشهده ملائكة الليل ، وهم غير مُكلَّفين بالصلاة ، فالأفضل من مَشْهدية الملائكة مَشْهدية المصلِّين الذين كلَّفهم الله بالصلاة ، وجعلهم ينتفعون بها.
ومن هنا كانت صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة ، كما جاء في الحديث النبوي الشريف.