الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ بِعِصْمَتِنَا إِيَّاكَ عَمَّا دَعَاكَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْفِتْنَةِ {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}
يَقُولُ: لَقَدْ كِدْتَ تَمِيلُ إِلَيْهِمْ وَتَطْمَئِنُّ شَيْئًا قَلِيلًا، وَذَلِكَ مَا كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ بِهِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ بَعْضَ الَّذِي كَانُوا سَأَلُوهُ فِعْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذُكِرَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: «لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَوْ رَكَنْتَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّدُ شَيْئًا قَلِيلًا فِيمَا سَأَلُوكَ إِذَنْ لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ عَذَابِ الْحَيَاةِ، وَضِعْفَ عَذَابِ الْمَمَاتِ.
عَنْ قَتَادَةَ، {ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} أَيْ عَذَابَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ} مُخْتَصَرٌ، كَقَوْلِكَ: ضِعْفَ عَذَابِ الْحَيَاةِ {وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} فَهُمَا عَذَابَانِ: عَذَابُ الْمَمَاتِ بِهِ ضُوعِفَ عَذَابُ الْحَيَاةِ
وَقَوْلُهُ {ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}
يَقُولُ: ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ إِنْ نَحْنُ أَذَقْنَاكَ لِرُكُونِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَوْ رَكَنْتَ إِلَيْهِمْ عَذَابَ الْحَيَاةِ وَعَذَابَ الْمَمَاتِ عَلَيْنَا نَصِيرًا يَنْصُرُكَ عَلَيْنَا، وَيَمْنَعُكَ مِنْ عَذَابِكَ، وَيُنْقِذُكَ مِمَّا نَالَكَ مِنَّا مِنْ عُقُوبَةٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) }
يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنْ كَادَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ: يَقُولُ: لَيَسْتَخِفُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ بِهَا لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا}
يَقُولُ: وَلَوْ أَخْرَجُوكَ مِنْهَا لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا، حَتَّى أَهْلَكُهُمْ بِعَذَابٍ عَاجِلٍ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ كَادُوا أَنْ يَسْتَفِزُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُخْرِجُوهُ مِنَ الْأَرْضِ وَفِي الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ كَادُوا أَنْ يَسْتَفِزُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَالْأَرْضُ الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْهَا الْمَدِينَةُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ الْقَوْمُ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ قُرَيْشًا، وَالْأَرْضُ مَكَّةُ.