وقوله تعالى: {حِجَابًا مَسْتُورًا} قال الأخفش: أراد: ساترًا، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول كما تقول: إنك لمَشْؤوم علينا ومَيْمُون، وإنما هو شَائِم ويَامِن؛ لأنه من قولهم: شأمَهُم وَيمَنَهم، والحجابُ هاهنا هو الساتر، فقال: {مَسْتُورً} ، وهذا نادر أن يكون الفاعل في لفظ المفعول، هذا قوله، وتابعه على هذا كثير من أهل اللغة.
وقال آخرون: {مَسْتُورً} هاهنا مفعول، والمعنى أنه حجابٌ مستورٌ لا يُبْصر، وإنما كان قُدْرةً من قُدَرِ الله تعالى وأُخْذَةً من أُخَذِه حجبَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بحجاب يحجبه عنهم، بحيث لا يرى النبيُ - صلى الله عليه وسلم - ذلك الحجابَ ولا المشركون، حكى هذا صاحب النظم، وهو حسن.
وقال الزجاجي: يجوز أن يكون المستور هاهنا بمعنى النسب، كما تقول في الفاعل في مثل: لابِن وتَامِر، وتأويله: حجابٌ ذو ستْرٍ؛
كقولهم: جاريةٌ مَغْنوْجة، أي ذات غُنْجٍ، ولا يقال: غَنَجْتُها؛ ومكان مَهُول: فيه هَوْل، ولا يقال: هُلْتُ المكان؛ جعلت فيه الهَوْل؛ ورجلٌ مَرْطُوب: ذو رُطوبة، ولا يقال: رَطَبْتُه.
القول الثاني: أن معنى الحجاب هاهنا: الطبع الذي على قلوبهم، والمنع الذي منعهم عن أن يدركوا ما يأتي به من الحكمة في القرآن فينتفعوا به، وهذا قول قتادة؛ قال: هو الأكنة، وعلى هذا قوله: {جَعَلنَا بَيتَكَ} ، أي: بين قولك وقراءتك وفهم ما تأتي به، {وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} ، وهو ما لا يرونه ولا يعلمونه من الطبع على قلوبهم، وإن شئت قلت: حجابًا ساترًا، على ما ذكرنا.
46 -قوله تعالى: {عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} جمع كنان، وهو ما ستر الشيء، قال ابن عباس: يريد مثل كنانة النبل.