عَنْ قَتَادَةَ:"وَقَدْ هَمَّ أَهْلُ مَكَّةَ بِإِخْرَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمَا تَوَطَّنُوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ كَفَّهُمْ عَنْ إِخْرَاجِهِ حَتَّى أَمَرَهُ، وَلَقَلَّمَا مَعَ ذَلِكَ لَبِثُوا بَعْدَ خُرُوجِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ".
[وفي رواية] :"قَدْ فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَذَلِكَ كَانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الرُّسُلِ إِذَا فَعَلَ بِهِمْ قَوْمَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ".
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قَوْلُ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ} فِي سِيَاقِ خَبَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ قُرَيْشٍ وَذِكْرِهِ إِيَّاهُمْ، وَلَمْ يَجْرِ لِلْيَهُودِ قَبْلَ ذَلِكَ ذِكْرٌ، فَيُوَجَّهُ قَوْلُهُ {وَإِنْ كَادُوا} إِلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُمْ، فَهُوَ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمَّنْ جَرَى لَهُ ذِكْرٌ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْقَلِيلُ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ (وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إِلَّا قَلِيلًا) فَإِنَّهُ فِيمَا قِيلَ، مَا بَيْنَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَنْ قَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مِنْ مُشْرِكِيهِمْ بِبَدْرٍ.
وَعَنَى بِقَوْلِهِ خِلَافَكَ: بَعْدَكَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
عَقِبَ الرَّذَاذُ خِلَافَهَا فَكَأَنَّمَا ... بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: خِلَافَهَا: بَعْدَهَا. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: (خَلْفَكَ) .
وَمَعْنَى ذَلِكَ، وَمَعْنَى الْخِلَافِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَاحِدٌ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 15/}