واعلم أن حقيقة الصبر مع الله هو ثبات القلب بالاستقامة معه وهو أن لا يروغ عنه روغان الثعالب ها هنا وها هنا فحقيقة هذا هو الاستقامة إليه وعكوف القلب عليه وزاد بعضهم قسما آخر من اقسامه وسماه الصبر فيه وهذا أيضا غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له وهذا كما يقال فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد قال تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}
وقال {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ}
وفي حديث جابر:"إن الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال يا رب أن ترجعني إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانية"
وقال"ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد"
وهذا يفهم منه معنيان أحدهما أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله وهذا فيما يفعله الإنسان باختياره
كما في الحديث"تعلمت فيك العلم"
والثاني إنه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره وغالب ما يأتي قولهم"ذلك في الله"في هذا المعنى.
فتأمل قوله"ولقد أوذيت في الله"
وقول خبيب وذلك"في ذات الإله"
وقول عبد الله بن حرام"حتى أقتل فيك"
وكذلك قوله {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه.
وليست (في) هاهنا للظرفية ولا لمجرد السببية وإن كانت السببية هي أصلها فانظر إلى قوله"في نفس المؤمن مائة من الإبل"وقوله"دخلت امرأة النار في هرة"كيف تجد فيه معنى زائدا على السببية وليست في للوعاء في جميع معانيها فقولك"فعلت هذا في مرضاتك"فيه معنى زيد على قولك"فعلته لمرضاتك"وأنت إذا قلت"أوذيت في الله"لا يقوم مقام هذا اللفظ كقولك"أوذيت لله"ولا"بسبب الله"
وإذا فهم المعنى طوى حكم العبارة والمقصود أن الصبر في الله أن أريد به هذا المعنى فهو حق وأن أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره وعن نواهيه وله وبه لم يحصل فالصابر في الله كالمجاهد في الله والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله والله الموفق.
وأما قول بعضهم"الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء والصبر في الله بلاء والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء"
فكلام لا يجب التسليم لقائله لأنه ذكر ما سنح له وتصوره وإنما يجب التسليم للنقل المصدق عن القائل المعصوم ونحن نشرح هذه الكلمات.