الرابع عشر: أن باب المنهيات تسقط الآلاف المؤلفة منه الواحدة من المأمورات وباب المأمورات لا يسقط الواحدة منه الآلاف المؤلفة من المنهيات.
الخامس عشر: أن متعلق المأمورات الفعل وهو صفة كمال بل كمال المخلوق من فعاله فإنه فعل فكمل ومتعلق النهي الترك والترك عدم ومن حيث هو كذلك لا يكون كمالا فإن العدم المحض ليس بكمال وإنما يكون كمالا لما يتضمنه أو يستلزمه من الفعل الوجودي الذي هو سبب الكمال.
وأما أن يكون مجرد الترك الذي هو عدم محض كمالا أو سببا للكمال فلا.
مثال ذلك لو ترك السجود للصنم لم يكن كماله في مجرد هذا الترك ما لم يكن يسجد لله وإلا فلو ترك السجود لله وللصنم لم يكن ذلك كمالا، وكذلك لو ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك مؤمنا ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق والحب وموالاته وطاعته فعلم أن الكمال كله في المأمور وأن المنهي ما لم يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئا ولم يكن كمالا، فإن الرجل لو قال للرسول لا أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ولا أحاربك ولا أحارب من يحاربك لكان كافرا ولم يكن مؤمنا بترك معاداته وتكذيبه ومحاربته ما لم يأت بالفعل الوجودي الذي أمر به.
السادس عشر: أن العبد إذا أتى بالمأمور به على وجهه ترك المنهي عنه ولا بد، فالمقصود إنما هو فعل المأمور ومع فعله على وجهه يتعذر فعل المنهي فالمنهي عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة فإن العبد إذا فعل ما أمر به من العدل والعفة وامتنع من صدور الظلم والفواحش منه فنفس العدل يتضمن ترك الظلم ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش فدخل ترك المنهي عنه في المأمور به ضمنا وتبعا وليس كذلك في عكسه فإن ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور فإنه قد يتركهما معا كما تقدم فعلم أن المقصود هو إقامة الأمر على وجهه ومع ذلك لا يمكن ارتكاب النهي ألبتة وأما ترك المنهي عنه فإنه يستلزم إقامة الأمر
السابع عشر: أن الرب تعالى إذا أمر عبده بأمر ونهاه عن أمر ففعلهما جميعا كان قد حصل محبوب الرب وبغيضه فقد تقدم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ومقاومته ولا سيما إذا كان فعل ذلك المحبوب أحب إليه من ترك ذلك البغيض فيهب له من جنايته ما فعل من هذا بطاعته ويتجاوز له عما فعل من الآخر.