قَالَ: فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه أَن تتلف، وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان، يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الجريري، يَقُول: الصبر أَن لا يفرق بَيْنَ حال النعمة والمحنة مَعَ سكون الخاطر فيهما، والتصبر هُوَ السكون مَعَ البلاء مَعَ وجدان أثقال المحنة، وأنشد بَعْضهم:
صبرت وَلَمْ أطلع هواك عَلَى صبري ... وأخفيت مَا بي منك عَن موضع الصبر
مخافة أَن يشكو ضميري صبابتي ... إِلَى دمعتي سرا فتجري ولا أدري
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق، يَقُول:
فاز الصابرون بعز الدارين، لأنهم نالوا من اللَّه تَعَالَى معيته، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] ، وقيل: فِي معنى قَوْله: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200] ، الصبر دُونَ المصابرة، والمصابرة دُونَ المرابطة، وقيل: اصبروا بنفوسكم عَلَى طاعة اللَّه تَعَالَى، وصابروا بقلوبكم عَلَى البلوى فِي اللَّه تَعَالَى، ورابطوا بأسراركم عَلَى الشوق إِلَى اللَّه تَعَالَى، وقيل: اصبروا فِي اللَّه تَعَالَى وصابروا بالله تَعَالَى ورابطوا مَعَ اللَّه تَعَالَى.
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد عَلَيْهِ السَّلام: تخلق بأخلاقي وإن من أخلاقي أنني أنا الصبور، وقيل: تجرع الصبر فَإِن قتلك قتلك شهيدا، وإن أحياك أحياك عزيزا، وقيل: الصبر لِلَّهِ تَعَالَى عناء، والصبر بالله تَعَالَى بقاء، والصبر فِي اللَّه تَعَالَى بلاء، والصبر مَعَ اللَّه تَعَالَى وفاء، والصبر عَنِ اللَّه تَعَالَى جفاء، وأنشدوا:
والصبر عَنْك فمذموم عواقبه ... والصبر فِي سائر الأشياء محمود
وأنشدوا:
وكيف الصبر عمى حل منى ... بمنزلة اليمين من الشمال
إِذَا لعب الرجال بكل شَيْء ... رأيت الحب يلعب بالرجال
وقيل الصبر عَلَى الطلب عنوان الظفر والصبر فِي المحن عنوان الفرج.
سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: جرد واحد للسياط فلما رد إِلَى السجن دعا ببعض أَصْحَابه فتفل عَلَى يده وألقى من فمه دقاق الفضة عَلَى يده فسئل فَقَالَ: كَانَ فِي فمي درهمان وَكَانَ عَلَى حاشية الحلقة لي عين لَمْ أرد أَن أصيح لرؤيته إياي فكنت أعض عَلَى الدرهمين فتكسرا فِي فهمي
وقيل: حالك الَّتِي أَنْتَ فِيهَا رباطك وَمَا دُونَ اللَّه تَعَالَى أعداؤك فأحسن المرابطة فِي رباط حالك.