كما أن للحق سبحانه حكمة سامية في تشريع العقوبة على الجرائم ، فهدف الشارع الحكيم أن يَحُدَّ من الجريمة ، ويمنع حدوثها ، فلو علم القاتل أنه سيُقتل ما تجرّأ على جريمته ، ففي تشريع العقوبة رحمة بالمجتمع وحفظ لسلامته وأمْنه .
ونرى البعض يعترض على عقوبة الردة ، فيقول: كيف تقتلون مَن يرتد عن دينكم؟ وأين حرية العقيدة إذن؟
نقول: في تشريع قتل المرتد عن الإسلام تضييق لمنافذ الدخول في هذا الدين ، بحيث لا يدخله أحد إلا بعد اقتناع تام وعقيدة راسخة ، فإذا علم هذا الحكم من البداية فللمرء الحرية يدخل أو لا يدخل ، لا يغصبه أحد ، ولكن ليعلم أنه إذا دخل ، فحكم الردة معلوم .
إذن: شرعَ الإسلامُ العقوبةَ ليحفظ للمجتمع توازنه ، وليعمل عملية ردع حتى لا تقع الجريمة من البداية ، لكن إذا وقعتْ يلجأ إلى علاج آخر يجتثُّ جذور الغِلِّ والأحقاد والضغائن من المجتمع .
لذلك سبق أن قلنا عن عادة الأخذ بالثأر في صعيد مصر: إنه يظل في سلسلة من القتل والثأر لا تنتهي ، وتفزِّع المجتمع كله ، حتى الآمنين الذين لا جريرة لهم ، وتنمو الأحقاد والكراهية بين العائلات في هذا الجو الشائك ، حتى إذا ما تشجَّع واحد منهم ، فأخذ كفنه على يديه وذهب إلى وليّ القتيل ، وألقى بنفسه بين يديه قائلاً: ها أنا بين يديك وكفني معي ، فاصنع بي ما شئت ، وعندها تأبى عليهم كرامتهم وشهامتهم أنْ يثأروا منه ، فيكون العفو والصفح والتسامح نهاية لسلسلة الثأر التي لا تنتهي .
ثم يقول الحق سبحانه:
{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ}
بعد أن ذكرتْ الآيات فضل الصبر وما فيه من خيرية ، وكأن الآية السابقة تمهد للأمر هنا (وَاصْبِرْ) ليأتمر الجميع بأمر الله ، بعد أنْ قدَّم لهم الحيثيات التي تجعل الصبر شجاعة لا ضعفاً ، كمَا يقولون في الحكمة: من الشجاعة أنْ تجبُنَ ساعة .