وهذا التوجيه الإلهي في تقييد العقوبة بمثلها قبل أن يتوجه إلى أمته صلى الله عليه وسلم توجّه إليه صلى الله عليه وسلم في تصرُّف خاص ، لا يتعلق بمؤمن على عموم إيمانه ، ولكن بمؤمن حبيب إلى رسول الله ، وصاحب منزلة عظيمة عنده ، إنه عمه وصاحبه حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء رضي الله عنه .
فقد مثَّل به الكفار في أُحُد ، وشقَّتْ هند بطنه ، ولاكت كبده ، فشقَّ الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأثَّر في نفسه ، وواجه هذا الموقف بعاطفتين: عاطفته الإيمانية ، وعاطفة الرحم والقرابة فهو عمه الذي آزره ونصره ، ووقف إلى جواره ، فقال في انفعاله بهذه العاطفة:"لئن أظهرني الله عليهم لأُمثِّلنَّ بثلاثين رجلاً منهم".
ولكن الحق سبحانه العادل الذي أنزل ميزان العدل والحق في الخلق هَدَّأ من رَوْعه ، وعدَّل له هذه المسألة ولأمته من بعده ، فقال:
{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ . .} [النحل: 126] .
والمتأمل للأسلوب القرآني في هذه الآية يلحظ فيها دعوة إلى التحنُّن على الخصم والرأفة به ، فالمتحدث هو الله سبحانه ، فكل حرف له معنى ، فلا تأخذ الكلام على إجماله ، ولكن تأمل فيه وسوف تجد من وراء الحرف مراداً وأن له مطلوباً . لماذا قال الحق سبحانه: (وإنْ) ولم يستخدم (إذا) مثلاً؟
إن عاقبتم: كأن المعنى: كان يحب ألاَّ تعاقبوا .
أما (إذا) فتفيد التحقيق والتأكيد ، والحق سبحانه يريد أنْ يُحنِّن القلوب ، ويضع ردَّ العقوبة بمثلها في أضيق نطاق ، فهذه رحمة حتى من الأعداء ، هذه الرحمة تُحبِّبهم في الإسلام ، وتدعوهم إليه ، وبها يتحوَّل هؤلاء الأعداء إلى جنود في صفوف الدعوة إلى الله .