إذن: الصبر على هذه الأحداث قريب ؛ لأنه ابتلاء وقضاء وقدر ، فلا يحتاج الأمر بالصبر هنا إلى توكيد ، ويناسبه قوله تعالى: {واصبر على مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور} [لقمان: 17] .
أما النوع الآخر: فهو المصائب التي تقع بفعل فاعل ، كالقتل مثلاً ، فإلى جانب الفَقْد يوجد غريم لك ، يثير حفيظتك ، ويهيج غضبك ، ويدعوك إلى الانتقام كلما رأيته ، فالصبر في هذه أصعب وحَمْل النفس عليه يحتاج إلى توكيد كما في الآية الثانية:
{وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور} [الشورى: 43] .
فاستعمل هنا لام التوكيد ؛ لأن الصبر هنا شاقّ ، والفرصة مُتَاحَة للشيطان لِيُؤلّب القلوب ، ويثير الضغائن والأحقاد .
كما نلاحظ في الآية الأولى قال: (وَاصْبِرْ) .
وفي الثانية قال: (صَبَر وغَفَر) لأن أمامه غريماً يدعوه لأنْ يغفر له .
ويُحكى في قصص العرب قصة اليهودي المرابي الذي أعطى رجلاً مالاً على أنْ يردَّه في أجل معلوم ، واشترط عليه إنْ لم يَفِ بالسداد في الوقت المحدد يقطع رَطْلاً من لحمه ، ووافق الرجل ، وعند موعد السداد لم يستطع الرجل أداء ما عليه .
فرفع اليهودي الأمر إلى القاضي وقَصَّ عليه ما بينهما من اتفاق ، وكان القاضي صاحب فِطْنة فقال: نعم العقد شريعة المتعاقدين ، وأمر له بسكين . وقال: خُذْ من لحمه رَطْلاً ، ولكن في ضربة واحد ، وإنْ زاد عن الرطل أو نقص أخذناه من لحمك أنت .
ولما رأى اليهودي مشقة ما هو مُقْدِم عليه آثر السلامة وتصالح مع خصمه .
والسؤال الآن: ما علاقة هذه الآية:
{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ . .} [النحل: 126] .
بما قبلها: {ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: 125] .