قد يتساءل البعض: ما علاقة هذا التذييل للآية بموضوع الدعوة إلى الله؟
يريد الحق سبحانه أن يُبيّن لنا حساسية هذه المهمة ، وأنها تُبنى على الإخلاص لله في توجيه النصيحة ، ولا ينبغي للداعية أبداً أنْ يغُشَّ في دعوته ، فيقصد من ورائها شيئاً آخر ، وقد تقوم بموعظة وفي نفسه استكبار على الموعوظ ، أو شعور أنك أفضل منه أو أعلم منه .
ومن الناس والعياذ بالله مَنْ يجمع القشور عن موضوع ما ، فيظن أنه أصبح عالماً ، فيضر الناس أكثر مِمّا ينفعهم .
إذن: إنْ قُبِل الغش في شيء فإنه لا يُقبل في مجال الدعوة إلى الله ، فإياك أنْ تغشَّ بالله في الله ؛ لأنه سبحانه وتعالى أعلم بمَنْ يضل الناس ، ويصدهم عن سبيل الله ، وهو أعلم بالمهتدين .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ ...} .
نلاحظ أن هذا المعنى ورد في قوله تعالى: {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ . .} [البقرة: 194] .
وبمقارنة الآيتين نرى أنهما يقرران المثلية في رد الاعتداء:
{فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ ...} [النحل: 126] .
و {فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ} [البقرة: 194] .
إذن: الحق سبحانه ، وإنْ شرع لنا الرد على الاعتداء بالمثل ، إلا أن جعله صعباً من حيث التنفيذ ، فمن الذي يستطيع تقدير المثلية في الرد ، بحيث يكون مثله تماماً دون اعتداء ، ودون زيادة في العقوبة ، وكأن في صعوبة تقدير المثلية إشارةً إلى استحباب الانصراف عنها إلى ما هو خير منها ، كما قال تعالى:
{وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126] .