فلنتأمل هذا التلطُّف في بيان الحكم الصحيح ، فمعالجة الداءات في المجتمع تحتاج إلى فقه ولباقة ولين وحُسْن تصرف ، إننا نرى حتى الكفرة حينما يصنعون دواءً مُرّاً يغلفونه بغُلالة رقيقة حُلْوة المذاق ليستسيغه المريض ، ويسهل عليه تناوله . وما أشبه علاج الأبدان بعلاج القلوب في هذه المسألة .
ويقول أهل الخبرة في الدعوة إلى الله: النصح ثقيل فلا تُرْسِله جبلاً ، ولا تجعله جدلاً . . والحقائق مُرّة فاستعيروا لها خِفّة البيان .
وكان صلى الله عليه وسلم إذا سمع عن شيء لا يرضيه من ذنب أو فاحشة في مجتمع الإيمان بالمدينة كان يصعد منبره الشريف ، ويقول:"ما بال أقوام قالوا كذا وكذا".
ويكتفي بالتوجيه العام دون أنْ يجرحَ أحداً من الناس على حَدِّ قولهم في الأمثال: إياك أعني واسمعي يا جاره .
ومن ذلك ما كان يلجأ إليه العقلاء في الريف حينما يتعرض أحدٌ للسرقة ، أو يضيع منه شيء ذو قيمة ، فكانوا يعتلون عن فَقْد الشيء الذي ضاع أو سُرِق ويقول: ليلة كذا بعد غياب القمر سوف نرمي التراب .
ومعنى"نرمي التراب"أن يحضر كل منهم كمية من التراب يلقيها أمام بيت صاحب هذا الشيء المفقود ، وفي الصباح يبحثون في التراب حتى يعثروا على ما فقد منهم ، ويصلوا إلى ضالَّتهم دون أنْ يُفتضحَ الأمر ، ودون أن يُحرَج أحد ، وربما لو واجهوا السارق لأنكر وتعقدت المسألة .
وقوله سبحانه:
{وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ . .} [النحل: 125] .
والجدل مناقشة الحجج في قضية من القضايا ، وعلى كُلِّ من الطرفين أنْ يعرضَ حُجّته بالتي هي احسن . أي: في رفق ولين ودون تشنُّج أو غَطْرسة .
ويجب عليك في موقف الجدال هذا ألاَّ تُغضِبَ الخصْم ، فقد يتمحَّك في كلمة منك ، ويأخذها ذريعة للانصراف من هذا المجلس .
وقوله سبحانه:
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين} [النحل: 125] .