إن تدبر القرآن يزيل الغشاوة عن القلوب، ويفتح المنافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر، وتستنير به الروح: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) } [محمد: 24] .
إن الأقفال التي ركبتها النفس والشيطان من الأموال والأولاد، والشهوات والشبهات، تحول بين القلوب وبين القرآن، تحول بينها وبين النور، تحول بينها وبين الله.
فإن استغلاق القلوب كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور.
إن المعجزة الكبرى التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم - هي القرآن الكريم، الذي يوجه العقل البشري إلى آيات الله في الأنفس والآفاق، وما فيهما من إعجاز ظاهر.
فأما ما وقع فعلاً للرسول - صلى الله عليه وسلم - من خوارق شهدت بها روايات صحيحة، فكانت إكراماً من الله لعبده، لا دليلاً لإثبات رسالته.
وقد جاء القرآن الكريم ليقف بالقلب البشري في مواجهة الكون كله، وما فيه
من آيات الله القائمة الثابتة، ويصله بتلك الآيات في كل لحظة، لا مرة عارضة في زمان محدود، يشهدها جيل من الناس في مكان محدود، وكلها يلتقي فيها الكمال بالجلال والجمال، وتستجيش لها القلوب، وتؤدي إلى الإيمان العميق.
وأجل نعم الله على الإطلاق إنزاله كتابه العظيم على عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولذا حمد الله نفسه، وفي ضمنه إرشاد العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم كما قال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) } [الكهف: 1 - 3] .
وقد وصف الله كتابه العظيم بوصفين يدلان على أنه كامل من جميع الوجوه وهما:
نفي العوج عنه .. وإثبات أنه مقيم مستقيم.
فنفي العوج يقتضي أنه ليس في أخباره كذب، ولا في أوامره ونواهيه ظلم ولا عبث.