82 -وبعد أن عدد ما أنعم به عليهم من النعم .. ذكر ما يتبع معهم إذا هم أصرُّوا على عنادهم واستكبارهم، ولم تنفعهم الذكرى فقال: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} ، فعل ماض أو مضارع حذفت منه إحدى التائين، وفي صيغة التفعل إشارة إلى أن الفطرة الأولى داعية إلى الإقبال على الله، والإعراض لا يكون إلا بنوع تكلف ومعالجة؛ أي: فإن أعرضوا عن الإِسلام، ولم يقبلوا منك ما جئتهم به من التوحيد، واستمروا على تكذيبك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} ؛ أي: فلا قصور من جهتك لأن وظيفتك هي البلاغ {الْمُبِينُ} ؛ أي: الموضح أو الواضح، وقد فعلته بما لا مزيد عليه، وليس عليك غير ذلك.
والمعنى: أي فإن استمروا على إعراضهم ولم يقبلوا ما أُلْقِي إليهم من البينات .. فلا يضيرك ذلك، ولا تبخع نفسك عليهم أسى وحسرة، فإنك قد أديت رسالتك كاملة غير منقوصة، وما هي إلا البلاغ الموضِّح لمقاصد الدين، وبيان أسراره وحكمه، وقد فعلته بما لا مزيد عليه، وجملة القول: إتهم إن أعرضوا وتولوا .. فلست بقادر على خلق الإيمان في قلوبهم، فإنما عليك البلاغ فحسب، وصرف الخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسلية له،
83 -ثم بين أن سبب هذا التولي والإعراض لم يكن الجهل بهذه النعم، بل كان العتو والاستكبار والإنكار لها، فقال: {يَعْرِفُونَ} ؛ أي: يعرف بعض المشركين {نِعْمَتَ اللَّهِ} المعدودة في هذه السورة، ويعترفون ويقرون بأن هذه النعم كلها من الله تعالى {ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} بأفعالهم، حيث يعبدون غير منعمها، أو بقولهم إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسب كذا، والمعنى: ثم استبعاد الإنكار بعد حصول المعرفة.