نعرف أن البشارة تكون بخير ، فكان يجب عليهم أن يستقبلوها استقبالَ البشارة ، ولكنهم استقبلوها استقبال الناقمين الكارهين لما بُشّروا به ، فتجد وجه الواحد منهم .
{مُسْوَدّاً ...} [النحل: 58] .
ومعنى اسوداد الوجه انقباضه من الغيظ ؛ لذلك يقول تعالى:
{وَهُوَ كَظِيمٌ ...} [النحل: 58] .
الكظم هو كَتْم الشيء .
ولذلك يقول تعالى في آية أخرى: {والكاظمين الغيظ . .} [آل عمران: 134] .
وهو مأخوذ من كَظْم القِرْبة حين تمتليء بالماء ، ثم يكظمها أي: يربطها ، فتراها ممتلئة كأنها ستنفجر . . هكذا الغضبان تنتفخ عروقه ، ويتوارد الدم في وجهه ، ويحدث له احتقان ، فهو مكظوم ممنوع أنْ ينفجر .
ثم يقول الحق سبحانه واصفاً حاله:
{يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} )
قوله تعالى:
{يتوارى مِنَ القوم . .} [النحل: 59] .
أي: يتخفَّى منهم مخافَة أنْ يُقال: أنجب بنتاً .
{مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ . .} [النحل: 59] .
نلاحظ إعادة البشارة في هذه الآية أيضاً ، وكأنه سبحانه وتعالى يُحنِّن قلبه عليها ، ويدعوه إلى الِّرْفق بها .
فهو متردد لا يدري ماذا يفعل ؛ لذلك يقول تعالى:
{أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب . .} [النحل: 59] .
أي: ماذا يفعل فيما وُلِد له . أيحتفظ به على هُونٍ أي: هوان ومذلة أم يدسُّه في التراب أي: يدفنها فيه حية؟
{أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 59] .
أي: ساء ما يحكمون في الحالتين . حالة الإمساك على هُون ومذلَّة ، أو حالة دَسّها في التراب ، فكلاهما إساءة . وكان بعض هؤلاء إذا وُلدتْ له بنت كرهها ، فإن أمسكها أمسكها على حال كونها ذليلةً عنده ، مُحتقرة مُهَانة ، وهي مسكينة لا ذنبَ لها .