8] احتج بها أبو حنيفة ومالك - رحمهما الله - على تحريم لحوم الخيل؛ لأنه - عز وجل - قرنها بما لا يؤكل، وهي البغال والحمير ونص على الحكمة في خلقها [250/ل] في سياق الامتنان به، ولو كان في خلقها حكمة سوى الركوب، لاقتضى سياق الامتنان ذكرها كما قال في الأنعام: {اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ} (79) [غافر: 79] حتى عد لها خمس حكم، ولما لم يذكر لخلق الخيل سوى حكمة واحدة، صار كقوله: لا تنتفعوا من الخيل بغير الركوب، وهو نص في المطلوب.
أما الشافعي وأحمد - رحمهما الله - ومن تابعهما، فلما رأوا هذا الاستدلال لا يخرج عنه كونه بالمفهوم وهو لا يعارض المنطوق، رجحوا عليه السّنّة الصحيحة من حديث جابر (1) وأسماء: «نحرنا فرسا على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم فأكلناه» (2) ومثل هذا ظاهر إن لم يكن
قاطعا في أنه بلغه فأقر عليه، وذلك حجة في إباحة لحم الفرس، وربما علل المانعون بأن في إباحة لحم الخيل إغراء بها وتقليلا لآلة الجهاد، وهو جيد، غير أنه منتقض بالإبل كانت أكثر آلة جهادهم، وقد أبيح أكلها باتفاق، وليس لمانع أن يمنع كون الإبل من آلة الجهاد، لقوله - عز وجل: {وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (6) [الحشر: 6] .
{وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} أي إرشاد قصد السبيل، أي عليه أن يرشدكم إلى السبيل الأقصد والطريق الأقوم الأرشد، وهذا وجوب منه لا عليه، خلافا للمعتزلة بناء على وجوب رعاية مصالح التكليف واللطف بالمكلف على الله - عز وجل - عندهم، وأنشد بعضهم في نحو ذلك:
يا من تمكن في علم ومعرفة…مفرقا بين صدق القول والكذب
هل جائز من كريم كل ذي كرم…عبد له من جميع العجم والعرب
يدعو إلى فضله قوما ويمنعهم…عند ابتداء بلا جرم ولا سبب
وتحدى صاحب هذه الأبيات بها جماعة من أهل العلم، فوقفوا إلا عن قوله: {لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} (23) [الأنبياء: 23] .