فصار كل ما عدا هذا داخلاً في الرزق ، والحلال الطيب المعدود
في النعم التي يجب الشكر عليها ، ولا يذهب على مميز إنما يعد ما تقدمه
فصل في معنى الاستثناء من الجملة لا ابتداء ، ثم لم يقنع - جل جلاله -
بذلك حتى قال على إثره: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ(116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)
فليس لأحد من البشر أن يزيد في هذه الأنواع الأربعة المستثناة من جملة
الرزق الحلال الطيب إلا طاعته مفروضة ، لا يحرم ولا يحلل إلا ما
أمره الله - جل جلاله - هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
الذي حرم كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير ،
وحرم التفاضل في أشياء مذكورة مسماة مذكورة معدودة ، وحرم مهر البغي ،
وثمن الكلب ، وعسب الفحل ، ونهى عن بيوع بأعيانها مروية
بروايات الثقات ، فكل ما وجد نصا عن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فهو مضموم إلى الأربع ، وما لم يوجد فيه نص وكان تحريمه
بآراء الرجال فهو في حكم الآية افتراء عند من تدبرها ، وغاص على
نكتها.
فإن قال قائل: أفتجعل سعد بن أبي وقاص في تحريم البيضاء
بالسلت - والسلت ضرب من الشعير - وابن عباس في إعداد ما عدا
الطعام في البيع بمنزلة الطعام قبل القبض والاستيفاء. مفتريين على
الله ،
قيل: معاذ الله أن يكونا مفتريين ، بل كانا فيما قالا موفقين
مصيبين. فأما سعد بن أبي وقاصٍ - رضي الله عنه - فإنه كان من
مذهبه أن الحنطة بالشعير لا يصلح إلا مثلا بمثل. فلما سئل عن
البيضاء بالسلت - والسلت ضرب من الشعير رقيق القشر صغار
الحب - قال: أيها أفضل ،
قال: البيضاء. فنهى عنه.
ولعل السلت بصغر حبه إذا يبس نقص.
فسئل عن البيضاء بالسلت الرطب ، فعلم أن السلت إذا يبس نقص