بالنظر إليها ليشتَرى جزافًا كَشِرى الصُّبر المصبوبة في الأرض ، وسائر
الجزاف المحاط بالنظر إليه. ولإعواز الوصول إلى قبضها فبائعها يعتاض
ملكًا ولا يعوض مملوكًا.
وما كان هذا سبيله فإن لم يكن زائدًا على بيوع الغرر والمخاطرات فهو مثلها
ولا يجوز بيع عسلها قبل تحصيله منها ، لأنه غير محاط به ، ولأنه
إذا بيع ما حواها وعسلها أخذ النحل من الثمن نصيبًا ففسد الجميع.
ذكر المعتزلة.
قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(93)
حجة على المعتزلة والقدرية شديدة لجمعه بين المشيئة والإضلال
والهدى والسؤال عن العمل في آية واحدة ، وهو قولنا الذي نقوله:
إن الله - جل جلاله - لو شاء لجعل الناس كلهم مؤمنين ، ولكنه لم
يفعل فأضل قومًا فكفروا ، وهدى قوما فآمنوا ، فعذب الكافر بجنايته
وقد قضاها عليه بعدله ، وأثاب المؤمن على إحسانه ، وقد هداه إليه
بفضله.
وكل هذا حكم منتظم ، وعدل شامل ، وفضل بين عقلته الخليقة
بعقولها أم لم تعقله ، ولو لم يكن في القرآن من الرد عليهم إلا هذه الآية
وحدها لكفتهم ، فكيف وهو مملو بأمثالها بحمد الله ونعمته.
ذكر القياس.
(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(114)
إلى قوله: (عَذَابٌ أَلِيمٌ(117)
حجة في إبطال القياس واضحة لمن وفقه الله لفهمها ، وأضرب عن
اللجاج والعناد ، وما ألفته نفسه من حلاوة قياسه والتحريم به والتحليل.
وذلك أنه ابتدأ الآية بالحث على كل ما رزقنا الله من الحلال ،
وأخبر أنها نعمة علينا وأمرنا بالشكر عليها ، ثم فصل ما حرم منه
فقال: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)