قلت: قال العلماء في الجواب عن هذا: إنَّ هذه السورة مكية وتحريم الخمر إنما نزل في سورة المائدة وهي مدنية، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة، وهذا الجواب أولى ما قيل في هذا المقام.
أي: وذلك الإسقاء والإطعام أنكم تتخذون وتجعلون مما ذكر سكرًا وخمرًا، {و} تتخذون من ثمارها {رزقًا حسنًا} ؛ أي: طيبًا كالتمر والزبيب والدبس والخل.
قال بعضهم: انظر إلى الإخبار عن نعمة اللبن ونعمة السكر والرزق الحسن، لما كان اللبن لا يحتاج إلى معالجة الناس .. أخبر عن نفسه بقوله: {نُسْقِيكُمْ} ، ولما كان السكر والرزق الحسن .. يحتاج إلى معالجة من الناس قال: {تَتَّخِذُونَ} ، فأخبر عنهم باتخاذهم منه السكر والرزق، {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإسقاء والإطعام {لَآيَةً} باهرة على قدرته تعالى {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ؛ أي: يستعملون عقولهم في الآيات بالنظر والتأمل، فيعلمون أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله تعالى، ولما كان مفتتح الكلام: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} .. ناسب الختم بقوله: {يَعْقِلُونَ} لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول، كما قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} ذكره في"البحر".
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ... (72) }
أي: من جنسكم {أَزْوَاجًا} ؛ أي: نساء وزوجات، لتأنسوا بها وتقيموا بذلك جميع مصالحكم، ويكون أولادكم أمثالكم، ومن هنا أخذ بعض العلماء أنه يمتنع أن يتزوج المرؤ امرأة من الجن، إذ لا مجانسة بينهما، فلا مناكحة، وأكثرهم على إمكانه، ويدل عليه أن أحد أبوي بلقيس كان جنيًّا، قال ابن الكلبي: كان أبوها من عظماء الملوك، فتزوج امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكت، فولدت له بلقيس، وفيه حكايات أخر في"آكام المرجان"،
فإن قيل: غلبة عنصر النار في الجن تمنع من أن تتكون النطفة الإنسانية في رحم الجنية لما فيها من الرطوبات، فتضمحل ثمة لشدة الحرارة النيرانية، وقس عليه نكاح الجني الإنسية.