{قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِى ضلالك القديم} أي: قال الحاضرون عنده من أهله: إنك يا يعقوب لفي ذهابك عن طريق الصواب الذي كنت عليه قديماً من إفراط حبك ليوسف لا تنساه ، ولا تفترّ عنه ، ولسان حال يعقوب يقول لهم:
لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده... ولا الصبابة إلاّ من يعانيها
لا تعذل المشتاق في أشواقه... حتى تكون حشاك في أحشائه
وقيل: المعنى: إنك لفي جنونك القديم ، وقيل: في محبتك القديمة.
قالوا له ذلك لأنه لم يكن قد بلغهم قدوم البشير.
{فَلَمَّا أَن جَاء البشير} قال المفسرون: البشير هو يهوذا بن يعقوب ، قال لإخوته: أنا جئته بالقميص ملطخاً بالدم ، فأعطني اليوم قميصك لأخبره أنك حيّ ، فأفرحه كما أحزنته {أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ} أي: ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب ، أو ألقاه يعقوب على وجه نفسه {فارتد بَصِيرًا} الارتداد: انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها ، والمعنى: عاد ورجع إلى حالته الأولى من صحة بصره {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} أي: قال يعقوب لمن كان عنده من أهله الذين قال لهم: إني لأجد ريح يوسف ، ألم أقل لكم هذا القول فقلتم ما قلتم ، ويكون قوله: {إِنّى أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} كلاماً مبتدأ لا يتعلق بالقول ، ويجوز أن تكون جملة: {إِنّى أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} مقول القول ، ويريد بذلك إخبارهم بما قاله لهم سابقاً {إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86] ، {قَالُواْ يا أبانا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خاطئين} طلبوا منه أن يستغفر لهم ، واعترفوا بالذنب ، وفي الكلام حذف ، والتقدير: ولما رجعوا من مصر ووصلوا إلى أبيهم قالوا هذا القول ، فوعدهم بما طلبوه منه ، و {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى} .