أي امنعها عن الفساد في العقل ، ومن ذلك قيل: اللوم تفنيد ؛ قال الشاعر:
يا عاذليّ دَعَا الْمَلاَمَ وأَقْصِرَا ...
طالَ الهَوَى وأطلتما التَّفْنِيدا
ويقال: أَفْنَد فلاناً الدهرُ إذا أفسده ؛ ومنه قول ابن مُقْبِل:
دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلْ ما أَرادَ فإنَّهُ ...
إذا كُلِّف الإفنادَ بالناسِ أَفْنَدَا
قوله تعالى: {قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم} أي لفي ذهاب عن طريق الصواب.
وقال ابن عباس وابن زيد: لفي خطئِك الماضي من حبّ يوسف لا تنساه.
وقال سعيد بن جُبير: لفي جنونك القديم.
قال الحسن: وهذا عقوق.
وقال قَتَادة وسفيان: لفي محبتك القديمة.
وقيل: إنما قالوا هذا ؛ لأن يوسف عندهم كان قد مات.
وقيل: إن الذي قال له ذلك من بقي معه من ولده ولم يكن عندهم الخبر.
وقيل: قال له ذلك من كان معه من أهله وقرابته.
وقيل: بنو بنيه وكانوا صغاراً ؛ فالله أعلم.
قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ} أي على عينيه.
{فارتد بَصِيراً} "أَنْ"زائدة ، والبشير قيل هو شمعون.
وقيل: يهوذا قال: أنا أذهب بالقميص اليوم كما ذهبت به مُلَطَّخاً بالدّم ؛ قاله ابن عباس.
وعن السدّي أنه قال لإخوته: قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص التَّرْحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفَرْحة.
وقال يحيى بن يمان عن سفيان: لما جاء البشير إلى يعقوب قال له: على أيّ دِينٍ تركت يوسف؟ قال: على الإسلام ؛ قال: الآن تمت النعمة ؛ وقال الحسن: لما ورد البشير على يعقوب لم يجد عنده شيئاً يُثِيبه به ؛ فقال: والله ما أصبتُ عندنا شيئاً ، وما خبزنا شيئاً منذ سبع ليال ، ولكن هوّن الله عليك سكراتِ الموت.
قلت: وهذا الدعاء من أعظم ما يكون من الجوائز ، وأفضل العطايا والذخائر.
ودلّت هذه الآية على جواز البذل والهِبات عند البشائر.