وقد يحتمل أن يكون خرج بعض بنيه ، فقال لمن بقي:"إنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ".
قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إليه ، وبينهما مسيرة ثمان ليال.
وقال الحسن: مسيرة عشر ليال ؛ وعنه أيضاً مَسيرة شهر.
وقال مالك (بن أنس) رضي الله عنه: إنما أوصل ريحه من أوصل عرش بلقيس قبل أن يرتدّ إلى سليمان عليه السلام طرفه.
وقال مجاهد: هبّت ريح فصَفَقَت القميصَ فراحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب ، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص ، فعند ذلك قال:"إنِّي لأَجِدُ"أي أشم ؛ فهو وجود بحاسة الشم.
{لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} قال ابن عباس ومجاهد: لولا أن تُسفّهون ؛ ومنه قول النابغة:
إلاَّ سُليمان إذ قال المليكُ لَهُ ...
قُمْ في البرِيَّة فاحددها عنِ الفَنَدِ
أي عن السَّفَه.
وقال سعيد بن جُبير والضحاك: لولا أن تكذِّبون.
والفَنَد الكذب.
وقد أَفْنَد إفْنَاداً كَذَب ؛ ومنه قول الشاعر:
هل في افتخار الكريم من أَوَدِ ...
أَمْ هل لقول الصَّدُوقِ من فَنَدِ
أي من كذب.
وقيل: لولا أن تُقبِّحون ؛ قاله أبو عمرو ؛ والتّفنيد التقبيح ، قال الشاعر:
يا صاحبيّ دعا لوميِ وتَفْنيدِي ...
فليس ما فاتَ مِن أمرِي بمردودِ
وقال ابن الأعرابي:"لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ"لولا أن تُضعِّفوا رأيي ؛ وقاله ابن إسحق.
والفند ضعف الرأي من كِبر.
وقول رابع: تُضلِّلون ، قاله أبو عبيدة.
وقال الأخفش: تلوموني ؛ والتفنيد اللوم وتضعيف الرأي.
وقال الحسن وقَتَادة ومجاهد أيضاً: تُهرِّمون ؛ وكله متقارب المعنى ، وهو راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي ؛ يقال: فَنَّده تفنيداً إذا أعجزه ، كما قال:
أهلكني باللوم والتفنِيد ...
ويقال: أفند إذا تكلم بالخطأ ؛ والفند الخطأ في الكلام والرأي ، كما قال النابغة:
فاحددها عن الفَنَدِ ...