وهكذا، وهو إشارة إلى ما بعده، تقديره: وفي هذا الوقت مكنا له في الأرض. وعلى هذا الآية مستأنفة، وعلى الوجه الأول: الآية موصولة بما قبلها.
وقوله تعالى: {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} أي أقدرناه على ما يريد برفع الموانع، هذا معنى التمكين من الشيء ، ومضى الكلام في هذه اللام التي في قوله"ليوسف"عند قوله {مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} وقوله {فِي الْأَرْضِ} قال ابن عباس: يريد أرض مصر.
وقوله تعالى: {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} هذا تفسير لقوله {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} لأن معنى التمكين في الأرض: أن يكون هذه الصفة يتبوأ حيث يشاء، و (يتبوأ) في موضع نصب على الحال تقديره: مكناه متبوئًا.
وقوله تعالى: {حَيْثُ يَشَاءُ} يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون في موضع نصب بأنه ظرف، والآخر: في موضع نصب بأنه مفعول به، ودل على هذا الوجه قول الشماخ:
يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّواحِزُ
وقد مرّ. واختلف القراء في قوله {حَيْثُ يَشَاءُ} فعامة القراء قرأوا بالياء كقوله: {يَتَبَوَّأُ} ، كقوله: {وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} وكما أن قوله (نشاء) في هذه الآية وفق فعل المتبؤ كذلك قوله: {حَيْثُ يَشَاءُ} وفق لقوله:"يتبوأ"في إسناده إلى الغيبة. وقرأ ابن كثير (نشاء) بالنون وذلك أن مشيئة يوسف لما كانت بمشيئة الله تعالى وإقداره عليها، جاز أن تنسب إلى الله تعالى وإن كان في المعنى ليوسف، وعلى هذا معنى هذه القراءة كمعنى قراءة العامة، ويقوي هذه القراءة أن الفعل المعطوف عليه بالنون وهو قوله: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ} قال ابن عباس: يريد أتفضل على من أشاء برحمتي.
وقوله تعالى: {وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} قال عطاء: يريد ثواب الموحدين وقال ابن عباس ووهب: يعني الصابرين، وذلك لحسن صبر يوسف فيما عانى من أنواع المكاره.