لأنه ذكر أن يوسف كان لا يعطي كل رجل إلا حِمْل بعير واحد، ولا يعطي أكثر من ذلك؛ فقالوا: ونزداد كيل بعير به؛ ومن أجله.
(ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: (ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) أي: سريع لا حبس فيه: وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) أي: ييسر علينا الكيل، ولا يحبس عنا الطعام، ولا يثقل عليه ذلك؛ بقوله: (أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ(59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ). فإن لم نأته به فلا كيل لنا؛ وقد حبسنا عنه. واللَّه أعلم.
ويشبه أن يكون فيه وجه آخر أقرب مما قالوا وهو: أن قوله: (ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) أي: طلب ثمن كيل بعير يسير؛ لأنه قد ردت إليهم بضاعتهم؛ وهو ثمن كيل عشرة أبعرة؛ فإنما احتاجوا إلى ثمن كيل بعير واحد؛ فقالوا: طلب ثمن كيل بعير واحد يسير، وتكلفة سهلة؛ وهو ثمن كيل بعير بنيامين. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ(66)
أي: حتى تأتوني بمواثيق من اللَّه؛ وبعهود منه.
(لَتَأْتُنَّنِي بِهِ) .
فيه دلالة أنه وإن قال: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) واعتمد في الحفظ على اللَّه، ورأى الحفظ منه، لم يرسله معهم إلا بالمواثيق والعهود من اللَّه، وهذا أمر ظاهر بين الناس؛ أنهم وإن كان اعتمادهم على اللَّه وإليه يكلون في جميع أمورهم في الأموال والأنفس، ومنه يرون الحفظ فإنه يأخذ بعضهم من بعض المواثيق والعهود؛ فعلى ذلك يعقوب أنه وإن أخبر أن اعتماده واتكاله في حفظ ولده على اللَّه لم يرسله معهم إلا بعدما أخذ منهم العهود والمواثيق.
(لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ) .
أي: إلا أن يجمعكم أمر ويعمكم، ويحيط بكم الهلاك جميعًا؛ فعند ذلك تكونون معذورين؛ فإما أن يخص به أمر فلا.
والثاني: إلا أن يجيء أمر عظيم يمنعكم عن رده؛ كأنه خاف عليه من الملك؛ حيث طلب منهم أن يأتوه به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ) يعقوب (اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) أي: الله على المواثيق والعهود التي أخذتها منكم شهيد، أو يقول: اللَّه له حفيظ؛ كما قال: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا) . واللَّه أعلم. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي. 6/ 251 - 262} ...