يَقُولُ: وَلَا تَقْرَبُوا بِلَادِي.
وَقَوْلُهُ: {وَلَا تَقْرَبُونِ} فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالنَّهْيِ، وَالنُّونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَكُسِرَتْ لَمَّا حُذِفَتْ يَاؤُهَا، وَالْكَلَامُ: وَلَا تَقْرَبُونِي.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ إِذْ قَالَ لَهُمْ: {ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ} ، {قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُخَلِّيهِ مَعَنَا حَتَّى نَجِيءَ بِهِ إِلَيْكَ، {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} يَعْنُونَ بِذَلِكَ: وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ مَا قُلْنَا لَكَ أَنَّا نَفْعَلُهُ مِنْ مُرَاوَدَةِ أَبِينَا عَنْ أَخِينَا مِنْهُ وَلَنَجْتَهِدَنَّ.
وَقَوْلُهُ: {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ يُوسُفُ لِفِتْيَانِهِ، وَهُمْ غِلْمَانُهُ.
{اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ}
يَقُولُ: اجْعَلُوا أَثْمَانَ الطَّعَامِ الَّذِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُمْ فِي رِحَالِهِمْ.
وَالرِّحَالُ: جَمْعُ رَحْلٍ، وَذَلِكَ جَمْعُ الْكَثِيرِ، فَأَمَّا الْقَلِيلُ مِنَ الْجَمْعِ مِنْهُ فَهُوَ أَرْحُلٌ، وَذَلِكَ جَمْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «ثُمَّ أَمَرَ بِبِضَاعَتِهِمُ الَّتِي أَعْطَاهُمْ بِهَا مَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الطَّعَامِ، فَجُعِلَتْ فِي رِحَالِهِمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَلِأَيَّةِ عِلَّةٍ أَمَرَ يُوسُفُ فِتْيَانَهُ أَنْ يَجْعَلُوا بِضَاعَةَ إِخْوَتِهِ فِي رِحَالِهِمْ؟
قِيلَ: يَحْتَمِلُ ذَلِكَ أَوْجُهًا:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ خَشِيَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَ أَبِيهِ دَرَاهِمَ، إِذْ كَانَتِ السَّنَةُ سَنَةَ جَدْبٍ وَقَحْطٍ، فَيَضُرُّ أَخْذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ.
أَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَّسِعَ بِهَا أَبُوهُ وَإِخْوَتُهُ مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ سَبَبَ رَدِّهِ تَكَرُّمًا وَتَفَضُّلًا.