الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الْمَلِكُ، يَعْنِي مَلِكَ مِصْرَ الْأَكْبَرَ، وَهُوَ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ الْوَلِيدُ بْنُ الرَّيَّانِ
حِينَ تَبَيَّنَ عُذْرَ يُوسُفَ، وَعَرَفَ أَمَانَتَهُ وَعِلْمَهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}
يَقُولُ: أَجْعَلْهُ مِنْ خُلَصَائِي دُونَ غَيْرِي.
وَقَوْلُهُ: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ}
يَقُولُ: فَلَمَّا كَلَّمَ الْمَلِكُ يُوسُفَ، وَعَرَفَ بَرَاءَتَهُ وَعِظَمَ أَمَانَتِهِ، قَالَ لَهُ: إِنَّكَ يَا يُوسُفُ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ، أَيْ مُتَمَكِّنٌ مِمَّا أَرَدْتَ، وَعُرِضَ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ قِبَلَنَا، لِرِفْعَةِ مَكَانِكَ وَمَنْزِلَتِكَ لَدَيْنَا، أَمِينٌ عَلَى مَا اؤُتُمِنْتَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) }
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ يُوسُفُ لِلْمَلِكِ: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ أَرْضِكَ، وَهِيَ جَمْعُ خِزَانَةٍ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ دَخَلَتَا فِي الْأَرْضِ خَلَفًا مِنَ الْإِضَافَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
وَالْأَحْلَامُ غَيْرُ عَوَازِبِ
وَهَذَا مِنْ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ مِنْهُ لِلْمَلِكِ أَنْ يُوَلِّيَهُ أَمْرَ طَعَامِ بَلَدِهِ وَخَرَاجِهَا، وَالْقِيَامَ بِأَسْبَابِ بَلَدِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ الْمَلِكُ بِهِ فِيمَا بَلَغَنِي كَمَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ لِفِرْعَوْنَ خَزَائِنُ غَيْرُ الطَّعَامِ، قَالَ: فَأَسْلَمَ سُلْطَانَهُ كُلَّهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ الْقَضَاءَ إِلَيْهِ، أَمْرُهُ وَقَضَاؤُهُ نَافِذٌ.
وَقَوْلُهُ: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِنِّي حَفِيظٌ لِمَا اسْتَوْدَعْتَنِي، عَلِيمٌ بِمَا وَلَّيْتَنِي.
[قَالَ: قَدْ فَعَلْتَ]
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنِّي حَافِظٌ لِلْحِسَابِ، عَلِيمٌ بِالْأَلْسُنِ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِنِّي حَافِظٌ لِمَا اسْتَوْدَعْتَنِي، عَالِمٌ بِمَا أَوْلَيْتَنِي، لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} وَمَسْأَلَتُهُ الْمَلِكَ اسْتِكْفَاءَهُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ، فَكَانَ إِعْلَامُهُ بِأَنَّ عِنْدَهُ خِبْرَةً فِي ذَلِكَ، وَكِفَايَتَهُ إِيَّاهُ، أَشْبَهَ مِنْ إِعْلَامِهِ حِفْظَهُ الْحِسَابَ وَمَعْرِفَتَهُ بِالْأَلْسُنِ.