ويشهد على ذلك قوله:"واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون"الأنعام: 88 تفيد الآية انهم في امكانهم ان يشركوا بالله وان كان الاجتباء والهدى الإلهى مانعا من ذلك وقوله:"يا أيها النبي بلغ ما انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته"المائدة: 67 إلى غير ذلك من الآيات .
فالإنسان المعصوم انما ينصرف عن المعصية بنفسه ومن عن اختياره وإرادته ونسبة الصرف إلى عصمته تعالى كنسبة انصراف غير المعصوم عن المعصية إلى توفيقه تعالى .
ولا ينافى ذلك أيضا ما يشير إليه كلامه تعالى ويصرح به الاخبار ان ذلك من الأنبياء والائمة بتسديد من روح القدس فان النسبة إلى روح القدس كنسبة تسديد المؤمن إلى روح الإيمان ونسبة الضلال والغواية إلى الشيطان وتسويله فان شيئا من ذلك لا يخرج الفعل عن كونه فعلا صادرا عن فاعله مستندا إلى اختياره وإرادته فافهم ذلك .
نعم هناك قوم زعموا ان الله سبحانه انما يصرف الإنسان عن المعصية لا من طريق اختياره وإرادته بل من طريق منازعة الأسباب ومغالبتها بخلق إرادة أو ارسال ملك يقاوم إرادة الإنسان فيمنعها عن التأثير أو يغير مجراها ويحرفها إلى غير ما من طبع الإنسان ان يقصده كما يمنع الإنسان القوى الضعيف عما يريده من الفعل بحسب طبعه .
وبعض هؤلاء وان كانوا من المجبرة لكن الأصل المشترك الذي يبتنى عليه نظرهم هذا واشباهه انهم يرون ان حاجة الأشياء إلى البارئ الحق سبحانه انما هي في حدوثها وأما في بقائها بعد ما وجدت فلا حاجة لها إليه فهو سبحانه سبب في عرض الأسباب الا انه لما كان اقدر واقوى من كل شيء كان له ان يتصرف في الأشياء حال البقاء أي تصرف شاء من منع أو إطلاق واحياء أو اماتة ومعافاة أو تمريض وتوسعة أو تقتير إلى غير ذلك بالقهر .