كما أن جميع مفسرى القرآن قاموا بشرح ما رأوه غريباً في القرآن. فكيف يسوغ القول - الآن - بإنكار وجود الغريب في القرآن أمام هذه الحقائق التي لا تغيب عن أحد؟
من حق غير الملم بفقه هذه القضية - قضية الغريب - أن يسألوا هذا السؤال، ومن واجبنا أن نجيب عليه إجابة شافية وافية بعون الله وتوفيقه.
والجواب:
هذا السؤال جدير بأن نستقصى جوانب الإجابة عليه لوجاهته وأهميته. فنقول مستمدين الهداية والتوفيق من الله العلى الحكيم.
فأولاً: إن الغريب الذي نسب في كتب العلماء - رضي الله عنهم - إلى القرآن، إنما هو غريب نسبى وليس غريباً مطلقاً.
فالقرآن في عصر الرسالة، وعصر الخلفاء الراشدين كان مفهوماً لجميع أصحاب رسول. صلى الله عليه وسلم
ولم يرد في رواية صحيحة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غاب عنهم فهم ألفاظ القرآن من حيث الدلالة اللغوية البحتة، وكل ما وردت به الرواية أن بعضهم سأل عن واحد من بضعة ألفاظ لا غير. وهي روايات مفتقرة إلى توثيق، وقرائن الأحوال ترجح عدم وقوعها، والألفاظ المسئول عنها هي:
غسلين، قسورة، أبَّا، فاطر، أوَّاه، حنان. وقد نسبوا الجهل بمعاني هذه الكلمات إما إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وإما إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وكلا الرجلين أكبر من هذه الاتهامات.
ومما يضعف إسناد الجهل إلى عمر رضي الله عنه، بمعنى كلمة"أبًّا"أن عمر كما تقول الرواية سأل عن معناها في خلافته، مع أن سورة"عبس"التي وردت فيها هذه الكلمة من أوائل ما نزل بمكة قبل الهجرة، فهل يُعقَلُ أن يظل عمر جاهلا بمعنى"أبًّا"طوال هذه المدة (قرابة ربع قرن) ؟
أما ابن عباس رضي الله عنه فإن صحت الرواية عنه أنه سأل عن معاني"غسلين"و"فاطر"فإنه يحتمل أنه سأل عنها في حداثة سنه. ومعروف أن ابن عباس كان معروفاً ب -"ترجمان القرآن"ومعنى هذا أنه كان متمكناً من الفقه بمعاني القرآن، وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له قائلاً: [اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل] .
هذا فيما يتعلق بشأن الروايات الواردة في هذا الشأن.
أما فيما يتعلق بالمؤلفات قديماً وحديثاً حول ما سمى ب -"غريب القرآن"فنقول: