إن أول مؤلف وضع في بيان غريب القرآن هو كتاب"غريب القرآن"لابن قتيبة (فى القرن الثالث الهجري) وهذا يرجح أن ابن قتيبة، لم يكتب هذا الكتاب للمسلمين العرب، بل كان القصد منه هو أبناء الشعوب غير العربية التي دخلت في الإسلام، وكانوا يتحدثون لغات غير اللغة العربية.
أما مسلموالقرنين الأول والثاني الهجريين، والنصف الأول من القرن الثالث، فلم يكن فيها - فيما نعلم - كتب حول بيان غريب القرآن، سوى تفسير عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - ، وكتاب"مجازات القرآن"لأبى عبيدة معمر بن المثنى (م 210 ه -) وهما أعنى تفسير ابن عباس، ومجازات أبي عبيدة، ليسا من كتب الغريب، بل هما: محاولتان مبكرتان لتفسير القرآن الكريم مفردات وتراكيب.
ولما تقادم الزمن على نزول القرآن، وضعف المحصول اللغوي عند الأجيال اللاحقة، قام بعض العلماء المتأخرين - مثل: الراغب الأصفهانى، صاحب كتاب"مفردات القرآن"، وجلال الدين السيوطي، صاحب كتاب"مبهمات القرآن"- بوضع كتب تقرب كتاب الله إلى الفهم، وتقدم بيان بعض المفردات التي غابت معانيها واستعمالاتها عن الأجيال المتأخرة.
وهذا يسلمنا إلى حقيقة لاحت في الأفق من قبل، نعيد ذكرها هنا في الآتي:
إن ما يطلق عليه"غريب القرآن"في بعض المؤلفات التراثية ومنها كتب علوم القرآن، وما تناوله مفسرو القرآن الكريم في تفاسيرهم، هو غريب نسبى لا مطلق، غريب نسبى باعتبار أنه مستعار من لغات أخرى غير اللغة العربية، أو من لهجات عربية غير لهجة قريش التي بها نزل القرآن وغريب نسبى باعتبار البيئات التي دخلها الإسلام، وأبناؤها دخلاء على اللغة العربية، لأن لهم لغاتٍ يتحدثون بها قبل دخولهم في الإسلام، وظلت تلك اللغات سائدة فيهم بعد دخولهم في الإسلام وغريب نسبى باعتبار الأزمان، حتى في البيئات العربية، لأن الأجيال المتأخرة زمناً ضعفت صلتهم باللغة العربية الفصحى مفردات وتراكيب. وكل هذه الطوائف كانت، وما تزال، في أمس الحاجة إلى ما يعينهم على فهم القرآن، وتذوق معانيه، والمدخل الرئيس لتذوق معاني القرآن هو فهم معاني مفرداته، وبعض أساليبه.
والغريب النسبى بكل الاعتبارات المتقدمة غريب فصيح سائغ، وليس غريباً عديم المعنى، أو لا وجود له في معاجم اللغة ومصادرها، وهذا موضع إجماع بين علماء اللغة والبيان، في كل عصر ومصر. ولا وزن لقول من يزعم غير هذا من الكارهين لما أنزل الله على خاتم أنبيائه ورسله.