وقوله"وقال الآخر انى ارانى احمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه"أي تنهشه وهي رؤيا أخرى ذكرها صاحبه وقوله"نبئنا بتأويله انا نراك من المحسنين"أي قالا نبئنا بتأويله فاكتفى عن ذكر الفعل بقوله قال وقال وهذا من لطائف تفنن القرآن والضمير في قوله بتأويله راجع إلى ما يراه المدلول عليه بالسياق وفي قوله"انا نراك من المحسنين"تعليل لسؤالهما التأويل ونراك أي نعتقدك من المحسنين لما نشاهد فيك من سيماهم وإنما اقبلا عليه في تأويل رؤياهما لإحسانه لما يعتقد عامة الناس ان المحسنين الأبرار ذووا قلوب طاهرة ونفوس زاكية فهم ينتقلون إلى روابط الأمور وجريان الحوادث انتقالا احسن واقرب إلى الرشد من انتقال غيرهم.
والمعنى قال أحدهما ليوسف انى رايت فيما يرى النائم كذا وقال الآخر انى رايت كذا وقالا له أخبرنا بتأويل ما رآه كل منا لانا نعتقد انك من المحسنين ولا يخفى لهم أمثال هذه الأمور الخفية لزكاء نفوسهم وصفاء قلوبهم.
قوله تعالى:"قال لا يأتيكما طعام ترزقانه الا نبأتكما بتأويله قبل ان ياتيكما"لما اقبل صاحبا السجن على يوسف (عليه السلام) في سؤاله عن تأويل رؤيا رأياها عن حسن ظن به من جهة ما كانا يشاهدان منه سيماء المحسنين اغتنم (عليه السلام) الفرصة في بث ما عنده من أسرار التوحيد والدعوة إلى ربه سبحانه الذي علمه ذلك فأخبرهما انه عليم بذلك بتعليم
من ربه خبير بتأويل الاحاديث وتوسل بذلك إلى الكشف عن سر التوحيد ونفى الشركاء ثم أول رؤياهما.
فقال أولا لا ياتيكما طعام ترزقانه وانتما في السجن الانبأتكما بتأويله أي بتأويل ذاكما الطعام وحقيقته وما يؤول إليه أمره فانا خبير بذلك فليكن آية لصدقي فيما ادعوكما إليه من دين التوحيد.