ثم بيَّن أساسَ الملة التي وَرِثَها عن أولئك الآباءِ الكرام، فكانت يقينًا له بقوله: {مَا كَانَ} ؛ أي ما صحَّ، وما استقام، فضلًا عن الوقوع {لَنَا} معاشر الأنبياء لقوة نفوسنا، ووفور علومنا {أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} ؛ أي: شيء كان من ملك أو جنيِّ أو إنسي فضلًا عن الجماد الذي لا يضر ولا ينفع؛ أي: لا ينبغي لنا مَعْشرَ الأنبياء أن نشرك بالله شيئًا فنتخذه ربًّا مدبرًا معه، ولا إلَهًا معبودًا من الملائكة، أو البشر كالفراعنة فضلًا عمَّا دونهما من البقر، كالعجل أو من الشمس والقمر أو ما يُتَّخَذُ من التماثيل والصور لهذه الآلهة. {ذَلِكَ} التوحيد المدلول عليه بقوله: {مَا كَانَ لَنَا} إلخ ناشئ {مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا} بالوحي {وَعَلَى النَّاسِ} كافَةً بواسطتنا، وإرسالنا لإرشادهم؛ إذ وجود القائد للأعمى رحمة من الله أيُّ رحمة.
والمعنى: أي عدم الإشراك من فضل الله علينا؛ إذ هدانا إلى معرفته وتوحيده في ربوبيته، وألوهيته بوحيه وآياته في الأنفس والآفاق. وعلى الناس بإرسالنا إليهم، ننشر فيهم الدعوةَ، ونقيم عليهم الحجة، فنهديهم سبيل الرشاد، ونبين لهم محجة الصواب، ونبعدهم عن طرف الغواية والضلال. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} المبعوث إليهم {لَا يَشْكُرُونَ} نِعَم الله عليهم فيشركون به أرْبابًا وآلهة من خلقه يذلون أنفسَهم بعبادتهم، وهم مخلوقون لله مثلهم، أو أدنى منهم. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 13/ 384 - 423} ...