قال يعقوب بن داود: حبسني المهدي في مكان لا أعرف فيه الليل من النهار في بئر واسعة وفيها بئر أخرى أتغوط فيها وأعطى في كل يوم ماء وخبزا حتى عفا شعري وصار أطول من شعر البهائم حتى مضت إحدى عشرة سنة فأتاني آت في منامي فقال جنى على يوسف رب فأخرجه من قعر جبّ فحمدت الله فأتى على ذلك سنة ثم أتاني ذلك الآتي، فقال:
عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر
ثم مكثت حولا آخر فأتاني ذلك الآتي فأنشدني:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفكّ عان ... ويأتي أهله النّائي الغريب
فلما أصبحت دلى لي مرس فشددت به وسطي فخرجت ما أبصر أحدا فقلت: السلام على أمير المؤمنين قيل ومن أمير المؤمنين؟ قلت: المهدي. قالوا: رحم الله المهدي.
قلت: الهادي قالوا: رحم الله الهادي. قلت: فمن؟ قالوا الرشيد قلت السلام على أمير المؤمنين الرشيد فقال وعليك السلام وأمر لي بخمسمائة ألف وردّ علي ضياعي. فعولجت حتى عاد ضوء عيني فاستأذنته في الحج فأذن لي فمضى إلى الحج ومكث حتى توفي.
تصبّر المحبوس وانتظاره الفرج
لما حبس يحيى وقيّد قال:
وإنّي من القوم الذين يزيدهم ... علوّا وفخرا شدة الحدثان
فقيل: في هذا الوقت تقول هذا؟ فقال: من مات قبل أجله حتى أكونه؟
وكتب رجل من السجن إلى الرشيد: ما مرّ يوم من نعيمك إلا ومرّ يوم من بؤسي والأمر قريب والسلام. وأن خلاخيل الرجال قيودها.
قال عوام بن حوشب صبّحنا إبراهيم التميمي إلى سجن الحجاج فقلنا: ما حاجتك؟ فقال: حاجتي أن تذكروني إلى الربّ الذي فوق الربّ الذي أمر يوسف أن يذكر عنده.
ولما حبس المأمون إبراهيم بن المهدي في يد أحمد بن أبي خالد، أخذ في الصلاة والعبادة فدخل عليه أحمد فقال: أمجنون تريد أن يقول المأمون هو يتصنع للناس فيقتلك؟
فقال: فما الرأي؟ قال: إن تشرب وتطرب وتحضر القيان. فأخذ في ذلك ثم دخل أحمد على المأمون فقال له: ما خبر النادر؟ قال أصون سمع أمير المؤمنين أن أخبره بما هو فيه فقال ما هو؟ قال: مكب على الشرب والجواري وتعاطي الجسارة. فقال: والله لقد شوقتني إليه فكان ذلك سببا لرضاه عنه.
وقال علي بن الجهم:
قالوا حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد
أو ما رأيت الليث يألف غيله ... كبرا وأوباش السباع تردد
والبدر يدركه السّرار فينجلي ... أيامه وكأنّه متجدّد
ولكلّ حال معقب ولربّما ... أجلى لك المكروه عمّا يحمد