ورد بأن الأنبياء معصومون عن مثل هذه المعصية الكبيرة المتبالغة في الكبر مع ما في ذلك من قطع الرحم وعقوق الوالد وافتراء الكذب، وقلة الرأفة بالصغيرَ الذي لا ذنب له والغدر بالأمانة وترك العهد، وقيل عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة بهم، ولو فعلوا ذلك لهلكوا جميعاً، وقيل أنهم لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء بل صاروا أنبياء من بعد وكان كل ذلك قبل أن ينهاهم الله.
ولما أجمع رأيهم على أن يلقوه في غيابات الجب جاءوا إلى أبيهم وخاطبوه بلفظ الأبوة استعطافاً له وتحريكاً للحنو الذي جبلت عليه طبائع الآباء للأبناء وتوسلاً بذلك إلى تمام ما يريدونه من الكيد الذي دبروه واستفهموه استفهام المنكر لأمر ينبغي أن يكون الواقع على خلافه.
(قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف) أي أي شيء لك لا تجعلنا أمناء عليه وكأنهم قد كانوا سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف، فأبى قرئ تأمناً بالإظهار وبالإدغام من غير إشمام واتفق الجمهور على الإخفاء أو الإشمام (وإنا له لناصحون) في حفظه وحيطته عاطفون عليه قائمون بمصلحته حتى نرده إليك.
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14)
(أرسله معنا غداً) أي في غد إلى الصحراء التي أرادوا الخروج إليها وغداً ظرف والأصل عند سيبويه غدوة وقال النضر بن شميل ما بين الفجر وطلوع الشمس يقال له غدوة وكذا يقال له بكرة والغد اليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه (يرتع) هذا جواب الأمر، قرئ بالنون وإسكان العين وبها وكسر العين إسناداً للكل والأولى مأخوذ من قول العرب رتع الإنسان أو البعير إذا أكل كيف شاء.