وَأَمَّا قَوْلُهُ {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} فَإِنَّهُ يَعْنِي عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ بَاعُوهُ بِدَرَاهِمَ غَيْرِ مَوْزُونَةٍ نَاقِصَةٍ غَيْرِ وَافِيَةٍ لِزُهْدِهِمْ كَانَ فِيهِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ مَعْدُودَةٍ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ أَقَلَّ مِنَ الْأَرْبَعِينَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانَ لَا يَزِنُونَ مَا كَانَ وَزْنَهُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، لِأَنَّ أَقَلَّ أَوْزَانِهِمْ وَأَصْغَرَهَا كَانَ الْأُوقِيَّةَ، وَكَانَ وَزْنُ الْأُوقِيَّةِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. قَالُوا: وَإِنَّمَا دَلَّ بِقَوْلِهِ: {مَعْدُودَةٍ} عَلَى قِلَّةِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي بَاعُوهُ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ عَدَدُهَا اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ، وَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ مِنْهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:"بَاعُوهُ، وَلَمْ يَبْلُغْ ثَمَنُهُ الَّذِي بَاعُوهُ بِهِ أُوقِيَّةً، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِالْأَوَاقِي، فَمَا قَصُرَ عَنِ الْأُوقِيَّةِ فَهُوَ عَدَدٌ؛ يَقُولُ اللَّهُ: {وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} أَيْ لَمْ يَبْلُغْ الْأُوقِيَّةَ"
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ بَاعُوهُ بِدَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ غَيْرِ مَوْزُونَةٍ، وَلَمْ يُحَد مَبْلَغَ ذَلِكَ بِوَزْنٍ وَلَا عَدَدٍ، وَلَا وَضَعَ عَلَيْهِ دَلَالَةً فِي كِتَابٍ وَلَا خَبَرٍ مِنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ عِشْرِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَأَنْ يَكُونَ كَانَ أَرْبَعِينَ، وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَإِنَّهَا كَانَتْ مَعْدُودَةً غَيْرَ مَوْزُونَةٍ؛ وَلَيْسَ فِي الْعِلْمِ بِمَبْلَغِ وَزْنِ ذَلِكَ فَائِدَةٌ تَقَعُ فِي دِينٍ وَلَا فِي الْجَهْلِ بِهِ دُخُولُ ضُرٍّ فِيهِ، وَالْإِيمَانُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ فَرْضٌ، وَمَا عَدَاهُ فَمَوضُوعٌ عَنَّا تَكَلُّفُ عِلْمِهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَانَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فِي يُوسُفَ مِنَ الزَّاهِدِينَ، لَا يَعْلَمُونَ كَرَامَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا يَعْرِفُونَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَهُ، فَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُحِبُّونَ أَنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِهِ لِيَخْلُو لَهُمْ وَجْهُهُ مِنْهُ، وَيَقْطَعُوهُ عَنِ الْقُرْبِ مِنْهُ لِتَكُونَ الْمَنَافِعُ الَّتِي كَانَتْ مَصْرُوفَةً إِلَى يُوسُفَ دُونَهُمْ مَصْرُوفَةً إِلَيْهِمْ.