قال: فودّعهم يوسف عند ذلك ، وجعل يقول: حفظكم الله وإن ضيعتموني ، نصركم الله وإن خذلتموني ، رحِمكم الله وإن لم ترحموني ؛ قالوا: فألقت الأغنام ما في بطونها دماً عَبِيطاً لشدّة هذا التوديع ، وحملوه على قتب بغير غطاء ولا وطاء ، مقيداً مكبّلاً مسلسلاً ، فمرّ على مقبرة آل كنعان فرأى قبر أمّه وقد كان وكل به أسود يحرسه فغفل الأسود فألقى يوسف نفسه على قبر أمّه فجعل يتمرّغ ويعتنق القبر ويضطرب ويقول: يا أماه! ارفعي رأسك تري ولدك مكبلاً مقيداً مسلسلاً مغلولاً ؛ فرّقوا بيني وبين والدي ، فاسألي الله أن يجمع بيننا في مستقرّ رحمته إنه أرحم الراحمين ، فتفقده الأسود على البعير فلم يره ، فقفا أثره ، فإذا هو ببياض على قبر ، فتأمله فإذا هو إياه ، فركضه برجله في التراب ومرغه وضربه ضرباً وجيعاً ؛ فقال له: لا تفعل! والله ما هربت ولا أبِقت وإنما مررت بقبر أمي فأحببت أن أودّعها ، ولن أرجع إلى ما تكرهون ؛ فقال الأسود: والله إنك لعبد سوء ، تدعو أباك مرة وأمك أخرى! فهلا كان هذا عند مواليك ؛ فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كانت لي عندك خطيئة أخلقت بها وجهي فأسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن تغفر لي وترحمني ؛ فضجّت الملائكة في السماء ، ونزل جبريل فقال له: يا يوسف! غُضّ صوتك فلقد أبكيت ملائكة السماء! أفتريد أن أقلب الأرض فأجعل عاليها سافلها؟ قال: تثبت يا جبريل ، فإن الله حليم لا يعجل ؛ فضرب الأرض بجناحه فأظلمت ، وارتفع الغبار ، وكسفت الشمس ، وبقيت القافلة لا يعرف بعضها بعضاً ؛ فقال رئيس القافلة: من أحدث منكم حدثاً؟ فإني أسافر منذ كيت وكيت ما أصابني قطّ مثل هذا فقال الأسود: أنا لطمت ذلك الغلام العبرانيّ فرفع يده إلى السماء وتكلم بكلام لا أعرفه ، ولا أشك أنه دعا علينا ؛ فقال له: ما أردت إلا هلاكنا ايتنا به ، فأتاه به ، فقال له: يا غلام! لقد لطمك فجاءنا ما رأيت ؛ فإن كنت تقتص فاقتص