قال في أواخر السفر الثاني منها: كان يوسف بن يعقوب ابن سبع عشرة سنه ، وكان يرعى الغنم مع إخوته ، وكان إسرائيل يحب يوسف أكثر من حبه إخوته ، لأنه ولد على كبر سنه ، فاتخذ له قميصاً ذا كمين ، فرأى إخوته أن والدهم أشد حباً له منهم ، فأبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بالسلام ، فرأى رؤيا قصها على إخوته فقال لهم: اسمعوا هذه الرؤيا التي رأيت ، رأيت كأنا نحزم حزماً من الزرع في الزراعة ، فإذا حزمتي قد انتصبت وقامت ، وإذا حزمكم قد أحاطت بها تسجد لها ، قال له إخوته: أترى تملكنا وتتسلط علينا؟ وازدادوا له بغضاً لرؤياه وكلامه ، فرأى رؤيا أخرى فقال: إني رأيت رؤيا أخرى ، رأيت كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً يسجدون لي ، فقصها على أبيه وإخوته ، فزجره أبوه وقال له: ما هذه الرؤيا؟ هل آتيك أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض؟ فحسده إخوته ، وكان أبوه يحفظ هذه الأقاويل.
وانطلق إخوة يوسف يرعون غنمهم في نابلس فقال إسرائيل ليوسف: هو ذا إخوتك يرعون في نابلس ، هلم أرسلك إليهم! فقال: هأنذا! فقال أبوه: انطلق فانظر كيف إخوتك وكيف الغنم؟ وائتني بالخبر ، فأرسله يعقوب عليه الصلاة والسلام من قاع حبرون ، فأتى إلى نابلس ، فوجده رجل وهو يطوف في الحقل فسأله الرجل وقال: ما الذي تطلب في الحقل؟ فقال أطلب إخوتي ، دلني عليهم أين يرعون؟ قال له الرجل: قد ارتحلوا من هاهنا ، وسمعتهم يقولون: ننطلق إلى دوثان ، فتبع يوسف إخوته فوجدهم بدوثان ، فرأوه من بعيد ، ومن قبل أن يقترب إليهم هموا بقتله ، فقال بعضهم لبعض: هو ذا حالم الأحلام قد جاء ، تعالوا نقتله ونطرحه في بعض الجباب ، ونقول: قد افترسه سبع خبيث ، فننظر ما يكون من أحلامه! فسمع روبيل فأنقذه من أيديهم وقال لهم: لا تقتلوا نفساً ، ولا تسفكوا دماً ، بل ألقوه في هذا الجب الذي في البرية ، ولا تمدوا أيديكم إليه ، وأراد أن ينجيه من أيديهم ويرده إلى أبيه.