أي وما أنت بمصدق لنا فيما قلناه ولو كنا عندك صادقين لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيئ الظن بنا، غير واثق بقولنا، وقد ذكر المفسرون والمؤرخون كلامًا كثيرا في هذا اللقاء الذي حدث بينهم وبين أَبيهم، ومن ذلك أنه لما سمع بكاءهم قال: ما بكم؟ أَجرى في الغنم شيءٌ؟ قالوا: لا، قال: فأين يوسف؟ قالوا: ذهبنا نستبق فأكله الذئب، فبكى وصاح وقال: أين قميصه؟ فلما جاءوه به ألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا، أَكل ابنى ولم يمزق عليه قميصه، وقيل إِنهم لما قالوا له أَكله الذئب خر مغشيا عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه فلم يجب، وروى أن يهوذا لما رأى ذلك قال: ويل لنا من ديان يوم الدين ضيعنا أخانا، وقتلنا أَبانا، فم يفق يعقوب إلا ببرد السَّحر، إِلى آخر ماقيل مما لم نجد له سندا، فلهذا لا نستطيع القطع به.
ويستفاد من الآية أَن بكاءَ المرء لا يدل على صدق مقاله، فما أكثر البكاء المصنوع، ويستفاد منها أيضًا أن الاستباق مشروع.
قال ابن العربي: المسابقة شرعة في الشريعة، وخصلة بديعة، وعون على الحرب، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وبخيله، وسابق عائشة على قدميه فسبقها، فلما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقها فسبقته، فقال لها:"هذه بتلك".
وقد أجمع المسلمون على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إِلا في الخف والحافر والنصل، قال الشافعى: ما عدا هذه الثلاثة فالسبق فيها قمار اهـ.
والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"لَا سَبْقَ إلَّا في نَصْلِ أوْ خفٍّ أوْ حَافِر".
وقد زاد أبو البختَرِى القاضى كلمة"أو جناح"في روايته لهذا الحديث، يريد بزيادتها إرضاء الرشيد حيث كان يتسابق بالحمام فكشف الرشيد وضعه، وأَقصاه من مجلسه وامتنع العلماء من كتابة حديثه، ووصموه بالوضع وتعمد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
18 - {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ .. } :