(الشَّاهِدُ السَّادِسُ) فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مَعَ قَوْمِهِ مَسْأَلَةٌ مِنْ أَهَمِّ مَسَائِلِ الِاجْتِمَاعِ فِي الْعَالَمِ الْمَدَنِيِّ ، وَهِيَ التَّنَازُعُ بَيْنَ رِجَالِ الْمَالِ وَرِجَالِ الْإِصْلَاحِ فِي حُرِّيَّةِ الْكَسْبِ الْمُطْلَقَةِ ، وَتَقْيِيدِ الْكَسْبِ بِالْحَلَالِ وَمُرَاعَاةِ الْفَضِيلَةِ فِيهِ ، فَقَوْمُ شُعَيْبٍ كَانُوا يَسْتَبِيحُونَ تَنْمِيَةَ الثَّرْوَةِ بِجَمِيعِ الطُّرُقِ الْمُمْكِنَةِ حَتَّى التَّطْفِيفِ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ ، فَإِذَا كَالُوا أَوْ وَزَنُوا لِلنَّاسِ نَقَصُوا وَأَخْسَرُوا ، وَإِذَا اكْتَالُوا عَلَيْهِمْ لِأَنْفُسِهِمُ اسْتَوْفُوا وَأَكْثَرُوا ، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ فِي كُلِّ أَنْوَاعِهَا ، وَكَانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُوصِيهِمْ بِالْقِسْطِ فِيهِ ، وَاجْتِنَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْحَلَالِ ، وَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ حُرِّيَّةَ الْكَسْبِ مَقْرُونَةً بِحُرِّيَّةِ الِاعْتِقَادِ ، كَمَا حَكَاهُ اللهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: - قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ - 87 وَتَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى رَذِيلَةِ التَّقْلِيدِ وَرَذِيلَةِ اسْتِحْلَالِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ، وَالْكَلَامِ عَلَى فَضِيلَةِ حُرِّيَّةِ الِاعْتِقَادِ وَمَنْعِ الْإِكْرَاهِ فِي الدِّينِ ، وَنَذْكُرُهُ شَاهِدًا عَلَى كَوْنِ هَذَا التَّنَازُعِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْفَضِيلَةِ ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَالرَّذِيلَةِ ، مِنْ سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَالْأَنْبِيَاءُ يَنْصُرُونَ الْحَقَّ وَالْفَضِيلَةَ