أَيْضًا ، وَهُمْ مُسْتَعِدُّونَ بِفِطْرَتِهِمُ الرُّوحِيَّةِ لِلْوُصُولِ إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ ، وَالْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ الْأَعْلَى بِاللهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ، وَمَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَةَ كَشْفٍ وَرُؤْيَةٍ بِالْبَصَائِرِ يُغْشِي نُورُهَا الْأَبْصَارَ ، بِالتَّجَلِّي الَّذِي تُرْفَعُ بِهِ أَكْثَرُ الْحُجُبِ وَالْأَسْتَارِ ، بِغَيْرِ كَيْفٍ وَلَا حَدٍّ وَلَا انْحِصَارٍ ، فِي حَيَاةٍ بَعْدَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، الْمُقَيَّدَةِ فِيهَا أَرْوَاحُهُمْ بِهَذِهِ الْأَشْبَاحِ الْكَثِيفَةِ الْجَسَدِيَّةِ ، وَإِنَّ لَهُ - تَعَالَى - هُنَالِكَ لَتَجَلِّيَاتٍ لِعِبَادِهِ الْمُقَرَّبِينَ ، كَمَا تَجَلَّى كَلَامُهُ فِي الدُّنْيَا لِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَعُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ بِمَا يَعْلُو كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ . أَفَلَيْسَ مِنَ الْحَمَاقَةِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى هَذَا الِاسْتِعْدَادِ الْعُلْوِيِّ الْعَظِيمِ ، أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْإِنْسَانَ إِرَادَتَهُ مَحْصُورَةً فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْمَادِّيَّةِ ، وَزِينَتِهَا الْجَسَدِيَّةِ ، فَيَكُونُ مُنْكِرًا أَوْ كَالْمُنْكِرِ لِتِلْكَ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ ؟ بَلَى وَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: - مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - 11: 15 و16 وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنَ الْآيَاتِ .