الشَّامِلَ لَهُمْ وَلِأَقْوَامِهِمْ وَالْخَاصَّ بِهِمْ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - لِنُوحٍ - إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ - 46 وَاسْتِعَاذَةِ نُوحٍ بِهِ - تَعَالَى - مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَوْعِظَةِ وَقَوْلِهِ: - وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ - 47 وَحِكَايَتَهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ مَا يَعْمَلُونَ وَمَا يَتْرُكُونَ - كُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ لَا اسْتِحَالَتُهُ ، وَفِي بَعْضِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الذَّنْبِ بِالْفِعْلِ ، وَمِنْهُ سُؤَالُ نُوحٍ رَبَّهُ نَجَاةَ وَلَدِهِ الْكَافِرِ ، وَكَوْنُهُ مِنْ سُؤَالِ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
"قُلْتُ": إِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ اسْتَدَلُّوا عَلَى مَا سَمَّوْهُ عِصْمَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِالْعَقْلِ لَا بِالنَّقْلِ ، وَتَأَوَّلُوا الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ بِوُقُوعِ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ بَلْهَ الدَّالَّةِ عَلَى إِمْكَانِهَا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ أَنَّهَا كَعِصْمَةِ الْمَلَائِكَةِ مُنَافِيَةٌ لِطِبَاعِهِمْ ، فَإِنَّ مِمَّا فُضِّلُوا بِهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ بَشَرٌ كَسَائِرِ الْبَشَرِ جُبِلُوا عَلَى الشَّهَوَاتِ الْجَسَدِيَّةِ ، وَدَاعِيَةِ كُلٍّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالطَّاعَةِ ، كَمَا عُلِمَ مِنْ قِصَّةِ أَبِيهِمْ آدَمَ ، وَلَكِنَّهُمْ بِقُوَّةِ الْإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَالْخَوْفِ مِنْهُ وَالرَّجَاءِ فِيهِ وَالْحُبِّ لَهُ ، يُرَجِّحُونَ الطَّاعَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِمَلَكَةٍ رَاسِخَةٍ فِيهِمْ ، يَعْصِمُهُمُ اللهُ