إذن: فالفؤاد هو الوعاء القابل للقضايا التي انتهى المخ من تمحيصها تمحيصاً وصل فيه إلى الحق ، وأسقطها على القلب ليدير حركة الحياة على مُقْتضاها .
وعلى سبيل المثال: نجد الشاب الذي يفكر في مستقبله ، فيدرس مزايا وعيوب المهن المختلفة ليختار منها التخصص الذي يتناسب مع مواهبه ؛ وأحلامه ، ثم يدرس المحسَّات التي استقبلها بحواسه ليُمحِّصها بعقله ؛ وما ينتهي إليه عقله يسقطه في قلبه ؛ ليصير عقيدة يدير بها حركة حياته .
مثال هذا: أنه قد استقر في وجدان الناس وعقولهم أن النار مُحْرقة ، ولكن من أين جاء هذا اليقين في أن النار محرقة؟ نقول: جاء من أمر حسي بأن شاهد الناس أن مَنْ مسَّته النار أحرقته .
لا بد إذن أن يكون القلب ثابتاً ؛ غير مذبذب .
ولذلك يقول الحق سبحانه:
{وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120] .
لأن الفؤاد هو الوعاء الذي من مهمته أن يكون مستعداً لاستقبال كلمة الحق ؛ وليقبل تنبيه الذكرى ، وجلال الموعظة ، وكمال الوارد من الحق سبحانه وما يأتي من الحق سبحانه هو الحق أيضاً ، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه تغيير .
وحق الحق ينبوع العقيدة الذي ستصدر عنه طاعة التكليف ، ولا بد أن يكون الإنسان على ثقة من حكمه المكلِّف قبل أن يُقبِلَ على التكليف ؛ لذلك لزم أن يأتي الدليل على وجود الحق سبحانه وهو قمة الوجود الأعلى قبل أن تأتي الموعظة ، ويكون الإيمان بالوجود الأعلى الذي لا يتغير ولا تطرأ عليه الأغيار هو السابق لمجيء تلك الموعظة .
لأن الموعظة قد تتطلب من الإنسان شيئاً يكره أن يلتزم به ، وهي هنا صادرة من الحق سبحانه ، الذي خلق ، ولا يمكن أن يغش أو يخدع مخلوقاته ، ويحملها لك رسول منه سبحانه .