ومنها قاعدة عدم الافتيات في أمور يدفع الجميع ثمنها ولسان حالهم قول القائل:
جررت على راج الهوادة منهم ... وقد تلحق المولى العنود الجرائر
ويجب التنبه إلى أن الخلاف على ترتيب الأولويات قد يؤدي إلى كوارث غير محسوبة كما حصل يوم الجمل، وما تبع ذلك يوم صفين، وما نشأ عن ذلك من أمور ألقت فيها الفتن بظلالها وقد ظلت الأمة تدفع ثمنها إلى اليوم كظهور فكر الخوارج حينئذ، ومن تلك المآسي قتل الحسين وما نشأ عنه، وولاية الحجاج وما نشأ عنها، وهذا كله لمجرد التمثيل وإلا فالوقائع العظام هنا لا تحصى، هذا الأمر كان خلافاً على ترتيب الأولويات، فقد كانت عائشة والزبير وطلحة رضي الله عنهم يرون أن أول ما يجب فعله هو أن يقتص من قتلة عثمان فيما كان علي يرى أن أول ما يجب فعله إخماد الفتنة ثم بعد ذلك القصاص، فلا معنى لإقامة حد والناس في هرج ومرج والدولة في تفرق وتشرذم وأركانها تتهاوى.
ومما يعين على ذلك أيضاً:
(1) تعويد الناس خصوصاً المهتمين منهم بالدعوة على أن يكون المرجع عند الاختلاف هو الاعتصام بالكتاب والسنة، وألا يترك ما ثبت من الدليل لقول أحد كائن من كان، ولكن ذلك يتم بحكمة وتريث.
(2) البعد عن الافتراق المذموم: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) ، فالمطلوب أمران: التزام بما صح، وبعد عن التفرق، ولا يكون ذلك إلا بوضع مناهج تؤدي في النهاية إلى هذا الغرض، فلا يكفي مجرد التلقين.
(3) بدء التعاون فيما تم الاتفاق عليه، وإرجاء ما بقي معلقاً إلى مؤتمرات أخرى.
(4) التواصي على عدم التجريح والإطناب في الإنكار.
(5) توجيه الباحثين من طلاب الدراسات العليا وغيرهم إلى أن يكون ما يقومون به من إعداد الرسائل والبحوث العلمية صاباً في هذه القناة.
(6) الاستفادة من جهود وخبرات كل من تدرجوا في حل الخلافات التي كانت توجد بينهم من غير المسلمين فما كان بينهم من الخلافات أكبر بكثير مما هو حاصل بيننا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها ) ) ( [13] ) .