وقوله سبحانه: (ظلموا) تبين أن مادة الترف التي عاشوا فيها جاءت من الظلم ، وأخذ حقوق الناس وامتصاص دماء الكادحين .
ومادة (ترف) تعني النعمة يتنعم بها الإنسان . ومنها: أَترف ، وأُترف ، وكلمة"أترف"أي: أطغته النعمة ، وأنسته المنعم سبحانه . وأترف ، أي: مد الله له في النعمة ليأخذه أخذ عزيز مقتدر .
والحق سبحانه يقول:
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام: 44] .
فمن يمسك عدوه ليرفعه ؛ فلا يظنن أنه يدلِّله ، ولكنه يرفعه ليلقيه من علٍ ، فيزداد ويعظم ألمه . وكان الله سبحانه قد أعطى أمثال هؤلاء نعمة ؛ ليطغوا .
ولنا أن ننتبه إلى كلمة"الفتح"التي تجعل النفس منشرحة ، وعلينا أن ننتبه إلى المتعلق بها ، أهو فتح عليك ، أم فتح لك؟
إن فُتح عليك ؛ فافهم أن النعمة جاءت لتطغيك ، ولكن إن فُتح لك ، فهذا تيسير منه سبحانه ، فهو القائل:
{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [الفتح: 1] .
وهؤلاء الذين يحدثنا الحق سبحانه عنهم في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ؛ قد فتح الله سبحانه عليهم أبواب الضر ؛ لأنهم غفلوا عنه .
ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
{وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} [هود: 116] .
أي: كانوا يقطعون ما كان يجب أن يوصل ؛ وهو اتباع منهج السماء ؛ لأن كلمة (مجرمين) مأخوذة من مادة"جرم"وتعني:"قطع"، وقطع اتباع منهج السماء ؛ والغفلة عن الإيمان بالخالق سبحانه ، والاستغراق في الترف الذي حققوه لأنفسهم بظلم الغير ، وأخذ نتيجة عرق وجهد الغير .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى} .
وساعة تقرأ أو تسمع (ما كان) يتطرق إلى ذهنك: ما كان ينبغي .