أي: لولا أن كان في الناس بقية من الخير وبقية من الإيمان ، وبقية من اليقين ، وكانوا ينهون عن الفساد في الأرض ، لولا هم لخسف الله الأرض بمن عليها .
والبقايا في كل الأشياء هي نتيجة الاختيار ، والاختبار ؛ مصداقاً لقول الحق سبحانه:
{فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض} [الرعد: 17] .
وفي العصر الحديث نقول:"البقاء للأصلح".
إذن: فالحق سبحانه إنما يحفظ الحياة بهؤلاء الذين ينهون عن الفساد في الأرض ؛ لأنهم يعملون على ضوء منهج الله ، وهذا المنهج لا يزيد ملكاً لله ، ولا يزيد صفة من صفات الكمال لله ، لأنه سبحانه خلق الكون بكل صفات الكمال فيه ، ومنهجه سبحانه إنما يُصلح حركة الحياة ، وحركة الأحياء .
وهكذا يعود منهج السماء بالخير على مخلوقات الله ، لا على الله الذي كوَّن الكون بكماله .
واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه:
{والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان} [الرحمن: 78] .
فكما رفع الحق سبحانه السماء بلا عمد ، وجعل الأمور مستقرة متوازنة ؛ فلكم أن تعدلوا في الكون في الأمور الاختيارية بميزان دقيق ؛ لأن اعوجاج الميزان إنما يفسد حركة الحياة .
ومن اعوجاج الميزان أن يأخذ العاطل خير الكادح ، ويرى الناس العاطل ، وهو يحيا في ترفٍ من سرقة خير الكادح ، فيفعلون مثله ، فيصير الأمر إلى انتشار الفساد .
وينزوي أصحاب المواهب ، فلا يعمل الواحد منهم أكثر من قدر حاجته ؛ لأن ثمرة عمله إن زادت فهي غير مصونة بالعدالة .
وهكذا تفسد حركة الحياة ، وتختل الموازين ، وتتخلف المجتمعات عن ركب الحياة .
والحق سبحانه وتعالى يقول:
{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِي الأرض} [هود: 116] .