وفي آية أخرى يقول سبحانه:
{والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} [مريم: 76] .
إذن: لا بد أن تنظر إلى الباقيات في الأشياء ؛ لأنها هي التي يُعوَّل عليها .
ويلفتنا الحق سبحانه إلى ذلك في أكثر من موضع من القرآن الكريم ، فيقول تعالى:
{والآخرة خَيْرٌ وأبقى} [الأعلى: 17] .
ويقول سبحانه:
{وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى} [القصص: 60] .
إذن: فإياك أن تنظر إلى الذاهب ، ولكن انظر إلى الباقي .
وإذا عضَّتِ الإنسان الأحداث في أي شيء ، نجد أن سطحي الإيمان يفزع مما ذهب ، ونجد راسخ الإيمان شاكراً لله تعالى على ما بقي .
وها هو ذا سيدنا عبد الله بن جعفر رضي الله عنه حينما جُرحت ساقه جرحاً شديداً ، وهو في الطريق إلى الشام ، ولحظة أن وصل إلى قصر الخلافة قال الأطباء: لا بد من التخدير لنقطع الساق المريضة ، فقال: والله ما أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين .
وكان هذا القول يعني أن تجرى له جراحة بتر الساق دون مخدر ، فلمَّا قُطعت الساق ، وأرادوا أن يأخذوها ليدفنوها ؛ لتسبقه إلى الجنة إن شاء الله ؛ قال: ابعثوا بها ، فجاءوا بها إليه ، فأمسكها بيده وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو ؛ فقد عافيت في أعضاء .
هكذا نظر المؤمن إلى ما بقي .
وحين يتكلم القرآن الكريم عن مراتب ومراقي الإيمان يقول مرة:
{فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة} [غافر: 40] .
ويقول عن أناس آخرين:
{أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 157] .
والجنة باقية بإبقاء الله لها ، ولكن رحمة الله باقية ببقاء الله ، وهكذا تكون درجة الرحمة أرقى من درجة الجنة .
وهكذا تجد في كل أمر ما يسمى بالباقيات .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِي الأرض إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116] .